الرئيسية |المشاركات | راسلنا إضافة مشاركة | شروط المشاركة| الأرشيف|

مفهوم السعادة في الفكر الإسلامي / الدكتور جميل حمداوي

تمهيــــد:
تعد السعادة من أهم المحاور التي انشغل بها الفكر الإسلامي إلى جانب إشكالية العقل والنقل وإشكالية الظاهر والباطن والتوفيق بين الدين والفلسفة وخلق العالم وخلق القرآن وحشر الأجساد وعلم الله بله عن الأصول الجدلية التي ناقشها علماء الكلام بعد الفتنة الكبرى من قبل المرجئة والخوارج والماتريدية والمعتزلة والأشاعرة كالتوحيد والوعد والوعيد والعدل والمنزلة بين المنزلتين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ولايعني هذا أن مبحث السعادة مقتصر على الفكر الإسلامي فقط، بل تنوولت السعادة قديما من قبل الفلسفة اليونانية وحديثا مع الفلسفات الإنسية والفلسفات المعاصرة، وقلما نجد فيلسوفا لم يتناول السعادة في كتبه الفلسفية أو يعالجها ضمن نسقه الفلسفي. وغالبا ماكانت السعادة تدرس في مبحث الأكسيولوجيا( القيم) إلى جانب العدل والخير والعدل.
إذا، ما هي السعادة لغة واصطلاحا؟ وهل تقترن السعادة بالجسد أم بالعقل أم بالقلب أم بكل هذه العناصر قاطبة؟ وهل تكون السعادة بالانعزال والخلوة والتفرد أم بالتجمع والتمدن والتعاون؟ وبتعبير آخر هل السعادة هي سعادة المدينة أم سعادة الفرد؟ هذه هي الأسئلة التي سوف نحاول الإجابة عنها في موضوعنا هذا.
1- مفهوم الفلسفة في اللغة:
أ- السعادة لغة:
تشتق كلمة السعادة من فعل سعد وأسعد ، ومن توابعها الاشتقاقية كذلك السعد والسعودة والسعود. ومن ثم ، فكلمة :" السعد - عند ابن منظور صاحب لسان العرب - اليمن، والسعودة: النحوسة، والسعادة : خلاف الشقاوة،وقد سعد يسعد سعدا وسعادة، فهو سعيد:نقيض شقي، وسعد: فهو مسعود، والجمع سعداء. قد سعده الله وأسعده وسعد جده وأسعده:أنماه. والسعد والسعود: الكواكب التي يقال لها لكل واحد منها سعد كذا، والإسعاد: المعونة. والمساعدة: المعاونة. وساعده مساعدة وسعادا وأسعده:أعانه. واستسعد الرجل برؤية فلان:أي عده سعدا. وسعديك: أي إسعادا لك بعد إسعاد. وساعدة الساق شظيتها. والساعد: ملتقى الزندين. وجمع الساعد سواعد: مجرى المخ في العظام؛ والسواعد: مجاري الماء إلى النهرأو البحر. والساعدة: خشبة تنصب لتمسك البكرة، والساعد: إحليل خلف الناقة وهو الذي يخرج منه اللبن؛ وقيل: السواعد عروق في الضرع يجيء منها اللبن إلى الإحليل. وسعيد المزرعة: نهرها الذي يسقيها. والسعيدة: اللبنة لبنة القميص.".
ونفهم من هذه الدلالات اللغوية أن السعادة نقيض الشقاء والبؤس والنحس، وأنها بمعنى الرضى والبركة والخير والنماء واليمن والارتواء والإشباع.
ب- السعادة اصطلاحا:
2- هل السعادة : سعادة الجسد أم سعادة العقل أم سعادة القلب؟
تقوم السعادة البشرية على إرواء رغبات الجسد ونوازع النفس الشهوانية كما ترتكن هذه السعادة إلى إشباع العقل بلذة الفلسفة والمنطق وامتلاك المعارف والعلوم والفنون، كما أن هذه السعادة قد تتجاوز ماهو حسي وعقلي إلى ماهو لدني وحدسي وعرفاني وجداني من خلال إشباع الروح وتهذيبها بالنور الرباني واللقاء الإشراقي.
أ‌- سعــــادة الجسد:
كثير من الناس ومن رعاع القوم يعتقدون أن السعادة الحقيقية هي أن يشبع المرء غرائز الجسد وشهوات الذات وان يفرط في الأكل والشرب والجنس. بيد أن هذه السعادة المادية الحسية يجاري فيها الحيوان الإنسان ، بل يتفوق عليه كثيرا . ومن ثم، يصبح الإنسان بناء على ذلك حيوانا ماديا ليس غلا. لايتميز عن باقي الكائنات الأخرى غير الناطقة والعاقلة إذا كان ميسم التمييز والتفريد هو إشباع اللذات والرغبات الجسدية وإرواء النزوات وغرائز الشهوة البشرية المتقدة. ومن هنا، يتحول عالم الإنسان ومدينته إلى مملكة للفوضى وغابة للتصارع والتطاحن حول تحقيق الرغبات وإشباع الملذات وشهوات الجسد.
ويذهب أحمد بن مسكويه (320-421هـ) إلى أن الذين يربطون حياتهم فوق هذه البسيطة باللذات المادية وإتيان الملذات الدنيئة وإشباع النفس الحسية إنهم أشبه بالحيوانات التي لاتعرف في هذه الحياة غلا بارتواء أجسادها وتحقيق رغباتها . بقول ابن مسكويه:" وقد ظن قوم أن كمال الإنسان وغايته هما في اللذات الحسية، وأنها هي الخير المطلوب والسعادة القصوى.
وظنوا أن جميع قواه الأخرى إنما ركبت فيه من أجل هذه اللذات، والتواصل إليها، وأن النفس الشريفة التي سميناها ناطقة إنما وهبت له ليرتب بها الأفعال ويميزها، ثم يوجهها نحو هذه اللذات، لتكون الغابة الأخيرة هي حصولها له على النهاية والغاية الجسمانية.
وهذا هو رأي الجمهور من العامة الرعاع، وجهال الناس السقاط... وسيظهر عند ذلك أن من رضي لنفسه بتحصيل اللذات البدنية، وجعلها غايته، وأقصى سعادته، فقد رضي بأخس العبودية، لأخس الموالي. لأنه يصير نفسه الكريمة...عبدا للنفس الدنيئة، التي بناسب بها الخنازير، والخنافس، والديدان، وخسائس الحيوانات التي تشاركه في هذا الحال."
يهاجم ابن مسكويه رعاع الناس الذين لايرون السعادة إلا في متعة الأكل وحلاوة الشراب وعسلية الجنس وإشباع الغرائز، فهؤلاء يحطمون نفسيتهم البشرية الناطقة الحية ويربطونها بالنفس الحيوانية الدنيئة ويجعلونها نفس المادة والحس والزوال تندثر باندثار الجسد ويكون مصيرها وجزاؤها مرتبطا بمصير الدناءة ورغبة الجسد. ولا تشريف لهذه النفس ولا تمجيد مادامت قد اختارت نطاق الذات وإسار الجسد وقيد الرغبة المادية الفانية الزائلة.
وهكذا، فالفضيلة والكمال والسعادة الحقيقية لاتنال باللذات الحسية والرغبات المادية وإنما بالعقل الذي يعد أفضل مرتبة من الجسد. وقد أورد فخر الدين الرازي في كتابه" النفس والروح" عدة حجج للتسفيه بسعادة البدن المرتبطة بدفع الآلام وقضاء الحاجات وتفضيل سعادة العقل والذهن التي تحقق للإنسان سموه وكماله وترفعه إلى مراقي الفضيلة والخير الأسمى. يقول الرازي في الحجة الثالثة: " إن الإنسان يشاركه في لذة الأكل والشرب جميع ىالحيوانات، حتى الخسيسة منها. فلو كانت هي السعادة والكمال، لوجب ألا يكون للإنسان فضيلة في ذلك على الحيوانات(...)".
ويقول في الحجة الرابعة:" عن هذه اللذات الحسية، إذا بحث عنها، فهي ليست لذات، بل حاصلها يرجع إلى دفع الآلامز والدليل عليه أن الإنسان كلما كان أكثر جوعا.كان الالتذاذ بالأكل اتم. وكلما كان الجوع أقل كان الالتذاذ بالأكل اقل(...) ولما ثبت أن هذه اللذات الجسمانية لاحاصل لها إلا بدفع الألمن فنقول: سعادة الإنسان ليست عبارة عن دفع الالام، لأن هذا المعنى كان حاصلا عند عدمه، فثبت أن السعادة الحقيقية للإنسان أمر مغاير لهذه الأحوال(...)"
و يقول في الحجة الثامنة: " كل شيء يكون في نفسه كمالا وسعادة، وجب ألايستحيي من غظهاره، بل يجب ان يفتخر بغظهاره. يتبجح بفعله. ونحن نعلم بالضرورة أن أحدا من العقلاء لايفتخر بكثرة الأكل ولا الشرب(...) وكل هذا يدل على أن ذلك الفعل ليس من الكمالات ولا من السعادات."
ب‌- سعـــــادة العقــــل:
إذا كان رعاع القوم وجهالهم يرون أن السعادة تكمن في إشباع لذات الجسد ورغبات الحس، فإن الفلاسفة المسلمين يرون أن السعادة الحقيقية تتجلى في إرواء لذة العقل وإشباع الذهن المنطقي بالعلوم والمعارف والفنون وخاصة النظرية منها. ويعني هذا أن الفلاسفة بما فيهم الكندي والفارابي وابن مسكويه وابن رشد يرون أن السعادة الحقيقية تتمثل في طلب الفلسفة والحكمة ومزاولة العلوم المنطقية والنظرية قصد الوصول إلى الحقيقة البرهانية اليقينية الصادقة. وبالتالي، فالسعادة العقلية أفضل بكثير من السعادة الجسدية والرغبات الحسية الدنيئة المرتبطة بإشباع غرائز النفس وشهوات الانفعال وأهواء الذات الخسيسة. ومن ثم، فالسعادة هي اسمى ما يتمنى المرء أن يدركها ، فهي الفضيلة والكمال، وينبغي للإنسان ألا يبحث عن السعادة إلا من أجلها مادامت تقترن بالخير والتمام الخلق وأنها أفضل الغايات، كما أنها هي نهاية الكمال الإنساني حيث لانحتاج بعدها لأي شيء:" أما أن السعادة هي غاية مايتشوقها كل إنسان، وأن كل من ينحو بسعيه نحوها؛ فغنما ينحوها على إنها كمال ما؛ فذلك مالايحتاج في بيانه إلى قول، غذ كان في غاية الشهرة، وكل كمال وكل غايةيشوقفها الإنسان، فإنما يتشوقها على أنها خير ما، فهو لامحالة مؤثر. ولما كانت الغايات التي تتشوق على إنها خيرات مؤثرة كثيرة، كانت السعادة أجدى الخيرات المؤثرة."
ويرى الفارابي أن السعادة لاتكون بالمنافع الحسية ولذة التملك ، بل بالفلسفة التي ننال بها السعادة والكمال والفضيلة الكلية الكبرى، ولا تتم الفلسفة إلا بتشغيل العقل والمنطق اللذين يساعدان العارف على التمييز بين الأشياء وإدراك الصواب من الخطإ واصطفاء الخير من الشر والحق من الباطل. ومن هنا، فالعقل هو السبيل الوحيد لتحقيق السعادة وتصيد الفضيلة وتذوق الحكمة اليقينية على غرار التصور الأفلاطوني والأرسطي، كما أن المنطق الذي يعد الآلة التي تعصم الذهن من الوقوع في الخطإ أيضا من الوسائل المهمة لتحقيق السعادة الدنيوية والأخروية. وفي هذا الصدد يقول الفارابي:" ولما كانت السعادات إنما ننالها متى كانت لنا الأشياء الجميلة قنية؛ وكانت الأشياء الجميلة إنما تصير قنية بصناعة الفلسفة فلازم ضرورة ان تكون الفلسفة هي التي بها ننال السعادة؛فهذه هي التي تحصل لنا بجودة التمييز، وكانت جودة التمييز إنما تحصل بقوة الذهن على إدراك الصواب. كانت قوة الذهن حاصلة لنا قبل جميع هذه. وقوة الذهن غنما تحصل متى كانت لنا قوة بها نقف على الحق غنه حق بيقين فنعتقده، وبها نقف على ماهو باطل غنه باطل بيقين فنجتنبه، ونقف على الباطل الشبيه بالحق فلا نغلط فيه، ونقف على ماهو حق في ذاته وقد اشبه الباطل: فلا نغلط فيه ولا ننخدع فبه. والصناعة التي بها نستفيد هذه القوة تسمى صناعة المنطق.
وهذه الصناعة هي التي بها يوقف على الاعتقاد الحق؛ أي ماهو، وعلى الاعتقاد الباطل؛ أي ماهو(...) ولما كانت الخيرات التي هي للإنسان؛ بعضها اخص وبعضها اقل خصوصا، وكان أخص الخيرات بالإنسان عقل الإنسان؛ إذ كان الشيء الذي به صار إنسانا هو العقل".
3- سعـــــادة الروح:
إذا كان الفلاسفة يحصرون السعادة في العقل وممارسة الحكمة والفلسفة وتشغيل المنطق للوصول إلى السعادة اليقينية الحقيقية، فإن المتصوفة كابن العربي وابن سينا والغزالي والسهروردي يرون أن السعادة الحقيقية المثالية هي سعادة الروح وتطهير النفس الإنسانية من براثن الجسد والحس وتجاوز العقل والظاهر نجو استكناه الباطن واستجلاء الوجدان والروح وتحلية النفس من كل قيود الحس وشواغل الدنيا استعدادا للخلوة واللقاء الرباني والارتماء بين أحضان الذات المعشوقة والخضوع لها شوقا وحبا والاستسلام لها شوقا وحنينا والميل إليها رغبا ورهبا.
بيد أن السعادة الصوفية لا تنال بسهولة ويسر ن بل لابد من مراق ومدارج عبر المرور من مجموعة من المقامات والأحوال عبر السفر الروحاني غما بواسطة شيخ عارف أو قطب عالم أو صاحب مجرب. ولابد للمريدين منة المرور بثلاث مراحل كبرى ألا وهي: التحلية والتخلية واللقاء. وكل مرحلة تتطلب الصبر والتجلد وبذل المجهود الكبير من اجل نيل رضى الله والاستمتاع باللقاء والكشف الرباني.
ويرى ابن سينا أن السعادة الحقيقية لاتكون بالحس ولا بالبرهان، بل بالتحلل من إسار الجسد والاتصال بالعالم القدسي النوراني ، والسبيل في ذلك هو القلب والروح وتطهير النفس الناطقة، وفي هذا يقول ابن سينا:" وأما إذا انفصلنا عن البدن، وكانت النفس منا قد تنبهت، وهي في البدن، لكمالها الذي هو معشوقها، ولم تحصله وهي بالطبع نازعة غليه، غذ عقلت بالفعل انه موجود، إلا أن اشتغالها بالبدن، كما قلنا، قد انساها ذاتها ومعشوقها... عرض لها حينئذ من الالم بفقدانه كفء مايعرف من اللذة التي أوجبنا وجودها، ودللنا على عظم منزلتها، فيكون ذلك هو الشقاوزة والعقوبة...فيكون مثلنا حينئذ مثل الخدر(...) او الذي عمل فيه نار أو زمهرير، فمنعت المادة الملابسة في وجه الحس من الشعور به فلم يتأذ، ثم عرض أن زال العائق فشعر بالبلاء العظيم.
وأما إذا كانت القوة العقلية بلغت من النفس حدا من الكمال، يمكنها به إذا فارقت البدن ان تستكمل الاستكمال التام الذي لها أن تبلغه، كان مثلها مثل الخدر الذي أذيق المطعم الألذ وعرض للحال الأشهى. وكان لا يشعر به فزال عنه الخدر، فطالع اللذة العظيمة دفعة. وتكون تلك اللذة لا من جنس اللذة الحسية والحيوانية بوجه، بل لذة تشاكل الحال الطبيبة التي للجواهر الحية المحضة، وهي أجمل من كل لذة واشرف فهذه هي السعادة وتلك هي الشقاوة."
--------------------------------
الهوامــــش:

- ابن منظور: لسان اللسان، تهذيب اللسان، هذبه بعناية المكتب الثقافي لتحقيق الكتاب، الجزء الأول، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1993م، ص: 599؛
- أحمد بن مسكويه: تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق، مكتبة الثقافة الدينية، بدون تاريخ، صص:49-51؛
- فخر الدين الرازي: كتاب النفس والروح، مذكور في كتاب الفكر الأخلاقي العربي، نصوص لماجد فخري، صص:197-200؛
- الفارابي: كتاب التنبيه على سبيل السعادة، تحقيق وتعليق: الدكتور جعفر آل ياسين، دار المناهل، ط2، 1987م، ص:49؛

- الفارابي: كتاب التنبيه على سبيل السعادة، ص:77-78؛
- ابن سينا: النجاة في معاد الأنفس الإنسانية، القسم الثالث: في الحكمة الإلهية، نقحه وقدم له: ماجد فخري، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت، لبنان، الطبعة 1، 1985م، صص:326-330؛


*** وجهة نظر *** دورية تصدر عن موقع فلسفة/ جميع حقوق الموقع محفوظة،© موقع فلسفة 2007/2004 - ع.فورار
لا تعبر الآراء الواردة في المقالات المنشورة إلا عن وجهة نظر كاتبيها
Free Web Hosting