الرئيسية |المشاركات | راسلنا إضافة مشاركة | شروط المشاركة| الأرشيف|

الحداثة / د. نديم مسيس

يسيطر على مفهوم الحداثة التباين. فالحداثة تأخذ معناها من الذي تنكره والذي تؤكده ولهذا يظهر هذا المفهوم في معانٍ مختلفة تعتمد في اختلافها على ما الذي يُنكر وبالمقارنة ما الذي يُؤكد. فبالنسبة للقديس أغسطين في القرن الخامس الميلادي¡ عبرت الكلمة اللاتينية (modernus) عن رفض الوثنية وإقامة عصر جديد من المسيحية. أما مفكرو عصر النهضة فأعادوا إحياء أو استدركوا الإنسانوية الكلاسيكية¡ وميزوا ما بين الدول والمجتمعات القديمة والحديثة. عصر الاستنارة في القرن الثامن عشر¡ لم يكن فقط "الوسيط" ما بين "القديم" و"الحديث" ولكنه أيضاً ربط الحديث بـ "هنا والآن"[1]. وقد زاد هذا بعدا جديدا لمفهوم الحداثة. المجتمع الغربي¡ الذي عبر عن التباين مع المجتمعات السابقة¡ أصبح شعار الحداثة¡ وحدد ذلك الخطوط الخارجية أو المعالم الأساسية للحداثة. ولهذا أصبحت الحداثة تساوي الغربنة (westernization).
أمسى المجتمع الحديث مجتمعا صناعيا وعلميا. وعبر شكله السياسي عن نفسه من خلال الدولة القومية المدعمة بالسيادة العامة. وقد أعطى دوراً كبيراً للاقتصاد والنمو الاقتصادي. فلسفته الرئيسية هي العقلانية (rationalism)[2]. وفي هذا السياق رفض مجتمع الحداثة ليس فقط ماضيه ولكن كل الثقافات التي لا تعكس معانيه الداخلية. ان من الخطأ القول ان الحداثة تنكر الماضي وذلك لأن المقارنة مع الماضي تبقى وبشكل مستمر مؤشرا للتمييز بين الماضي والحاضر. ومجتمع الحداثة يدعم التجديد¡ في هذا الإطار مكن القول بأنه خلق أو أوجد ما يسمى بـ "التقليد الجديد" (The tradition of the new). فكما يقول الأستاذ بودريلارد (Baudrillard): "الحداثة ليست مفهوماً اجتماعياً¡ ولا مفهوماً سياسياً¡ ولا مفهوماً تاريخياً بدقة التعبير¡ إنها نمط حضاري متميز يناقض النمط التقليدي وهي تتميز في كل الميادين: دولة حديثة¡ تقنية حديثة¡ موسيقى ورسم حديثين¡ عادات وأفكار حديثة وهي متحركة في صيغها وفي مضامينها¡ في الزمان والمكان وليست ثابتة وبهذا هي تشبه التقليد." وبما ان الحداثة ليست مفهوماً للتحليل وليست لها قوانين وليست ثمة إلا ملامح للحداثة¡ ليست لها نظرية بل منطق للحداثة وأيديولوجية فهي إذن تقليد أي تقليد الحداثة.
لقد حازت الحداثة (المجتمع الصناعي الحديث) على تحليل شامل في كتابات المفكرين الاجتماعيين الرئيسيين من القرن التاسع عشر¡ أمثال هيجل¡ ماركس¡ توكيفيك¡ فيبر¡ سيمل¡ وديركهايم. ويبقى لتحليل هؤلاء المفكرين علاقة وثيقة بأوضاع مجتمعات هذا اليوم. إلا ان نمو معالم جديدة في يومنا هذا¡ مثل عالمية الاقتصاد¡ تراجع الدولة القومية¡ والهجرات السكانية الكبيرة¡ قد أدت ببعض المفكرين إلى افتراض نهاية الحداثة. لقد شدد جيفري باراكلاو على ان التاريخ المعاصر هو شيء مختلف عن التاريخ الحديث. كما قال آخرون مثله ان الحداثة قد انتهت واننا في عصر ما بعد الحداثة.
العديد من الأكاديميين المعاصرين يصرون على ان هذه الادعاءات غير مقنعة¡ وذلك بسبب قناعتهم بأنه يمكن إرجاع جذور التطورات التي سبق ذكرها إلى الحداثة الكلاسيكية. وهم في هذا يشددون على أننا لا نستطيع ان ننظر إلى تقليد الحداثة على أنه شيء ثابت غير متحرك. فقد سعى المفكران السوسيولوجيان سيمل وفيبر إلى إثبات ديناميكية الحداثة من خلال إبراز ما هو موجود من صراعات داخلية مستمرة في أجزائها مما يعطيها حركة مستمرة وتجديدا مستمرا في بناها الداخلية¡ الأمر الذي يعزز فكرة ان الحداثة مبنية على مفهوم التجديد المستمر¡ وبالتالي¡ مسألة إعطاء اسم جديد للتطورات التي حدثت وتحدث في يومنا هذا هي مسألة تتناقض والمفهوم الديناميكي للحداثة.
وما يجدر ذكره في هذا الصدد ان كثيرا مما يظهر في إطار ما بعد الحداثة عبّر¡ في البداية¡ عن نفسه في الثورة الثقافية ضد الحداثة والتي كانت مؤشرا للحركة التي عرفت بالتحديثية (Modernism). ترجع جذور هذه الحركة إلى بداية القرن العشرين. وقد سعت منذ بدايتها إلى تبني ورفض بعض معالم الحداثة مبينة في ذلك مظاهر الجديد وبانية¡ اعتماداً على هذا¡ صحة ضرورة إعطاء اسم جديد لحقبة تاريخية جديدة في بناها الداخلية ومختلفة عن ما هو موجود في سابقتها "الحداثة".
ما لا يمكن إنكاره هو ان مجتمع الحداثة في يومنا هذا ليس نفسه الذي كان سائداً في الفترة التاريخية التي عاش فيها ماركس وفيبر. إلا أنه كما ذكرنا سابقاً: الحداثة هي مبدأ المجتمع الغربي ولهذا لا نستطيع ان ننظر إلى الفترة المعاصرة كحقبة بعيدة كل البعد عن مبادئ الحداثة¡ فهي استمرار لها في التطورات الجديدة التي أحدثتها. ان التزام تقليد الحداثة بالنمو والتجديد المستمرين يتطلب اعتبار المعالم والأشكال الحالية لمجتمع الحداثة على أنها مؤقتة. ولهذا فانه من الضروري التوقع المستمر لنمو معالم جديدة في المجتمع في الإطار العام للحداثة نفسها.
د. نديم مسيس
-------------------------------------------------------------------------------
[1] "هنا والآن" إشارة مستخدمة للتدليل على الاهتمام بالواقع اللحظي المعاصر المرتبط بالأفراد في حياتهم اليومية (الدنيوية).
[2] العقلانية هي الاتجاه الفكري الذي أرساه ديكارت¡ والذي تميز بالارتكاز إلى العقل في اكتشاف الحقيقة.


*** وجهة نظر *** دورية تصدر عن موقع فلسفة/ جميع حقوق الموقع محفوظة،© موقع فلسفة 2007/2004 - ع.فورار
لا تعبر الآراء الواردة في المقالات المنشورة إلا عن وجهة نظر كاتبيها
Free Web Hosting