تمهيد: يقتصر تساؤلنا في هذا البحث على فهم المنطق الذي حكم المحاولات الفلسفية النقدية العربية المعاصرة وصلتها بشؤون الفكر عامة صلتها التي تساعد الفكر العربي الإسلامي ذا الطابع الخصوصي على الاندراج فيها من خلال تحديد ما لهذه الإشكالات من علاقة بلقاء حضارتنا الأول مع الفكر الفلسفي القديم ( من نزول القرآن إلى التوقف شبه النهائي للإبداع الفلسفي عندنا رمزا إليه بآخر فلاسفتنا الكبار: ابن خلدون ) وبلقائها الثاني مع الفكر الحديث ( منذ بداية الإصلاح في القرن التاسع عشر إلى الآن). ويهدف هذا التساؤل إلى طلب طبيعة الدور الذي تؤديه هذه المحاولات في وجود الأمة ببعديه التاريخي الفعلي والمخيالي الرمزي. لكن البحث في هذه الإشكالات لن يكون ذا دلالة إذا لم نجعل تجربة العرب والمسلمين النهضوية لذاتها وبحسب نسبتها إلى ما عليه الشأن الانساني عامة خلال اللحظتين بؤرة دراستنا مميزات فكرنا النهضوي عامة ضمن ما يمكن أن نعتبره بنية كل إحياء تلا فترة انحطاط فعلي أو تصوري للحضارة التي ينتسب إليها ذلك الفكر إحياء مصحوب بتحقيق فعلي حصل في التاريخ الموالي لحصول تلك المميزات. وطبعا فمثل هذا التساؤل لن يكون جوابه فلسفيا يرضى عنه العقلاء من دون أن يتضمن تعريفا فلسفيا وتاريخيا دقيقا لمفهوم النقد يبنى عليه التقويم الوصفي للمحاولات الفلسفية النقدية التي يتعلق بها في ضوء نسبتها إلى مجالات اختصاص دقيقة التحديد وميادين من وجود الإنسان التاريخي معينة التخوم تنتظمها فتمكن من تحديد طبيعتها لنتجنب الخوض في محاولات التقويم العامة نأيا بأنفسنا عما يؤول إليه من أحكام تتجاوز الأعمال إلى مواقف مؤلفها الشخصية ( خاصة عندما تكون من جنس التصنيفات السياسية ) بل وإلى صاحبها نفسه ( خاصة عندما تكون من جنس تصحيح الأساتذة لواجبات التلامذة )(1) . ومن البين بنفسه أن هدف البحث في هذه المطالب هو تحديد طبيعة جنس الفكر العربي النقدي المعاصر(2) للتساؤل عن الدور الذي يمكن أن يؤديه في تحقيق تلكما الوظيفتين(3) . ويقتضي ذلك فهم الجدل الفلسفي الدائر حاليا بين أعضاء الجماعة العلمية العالمية لتنزيل الأعمال الفلسفية النقدية العربية المعاصرة فيه لكوننا لا نسلم بأرخبيلية الفكر الفلسفي الإنساني في مقوماته الأساسية. فهو لا يكون فكرا فلسفيا بحق إلا إذا كانت مميزاته الجوهرية متسمة بالاشرئباب إلى مستوى الكلية العقلية بفضل الانتساب إلى المعلوم من هذه الاختصاصات المسهمة في علاج القضايا التي هي مطلوبه دون أن يعني ذلك أن الشكل المتغلب هو المقصود بل هو ما كان متميزا بصفات التعاصر مع مقومات الظرف التاريخي التي هي دائما غير ظرفية(4) . وقد يتبين أن الفكر العربي الحالي ليس هو من حيث النضوج الفلسفي ( الذي يقاس بما في الأعمال الفكرية من شروط الفن الشكلية والمضمونية بحسب تحديدها التاريخي ) دون الفكر الغربي الحالي في إدراك هذه المقومات فحسب بل هو كذلك دون الفكر العربي الوسيط. فهو يخلط بين الظرفي ومقوماته التي يتصورها هي بدورها ظرفية. العلاقة بين الظرفي ومقوماته هي عين العلاقة بين النظرية العلمية واعيان انطباقها أو بين القانون بالمعنى الحقوقي وأسباب وضعه أو نزوله أو بين المدلول ومرجعه أو بين الدال وتجسمه في نطق زيد أو عمر. فكرنا الفلسفي الحالي لم يحفظ من ماضيه إلا سطحيات الخصومة بين الشكلين النقلي والعقلي في صيغ تدعي الحداثة مع اهمال كامل لمضامين الفكر التي لم تبق في المتناول ( ظنا أنها من الأمور التي تجاوزها التاريخ ) وعدم دراية باشكال الفكر التي كانت سائدة في عصر أصحابها. والمعلوم كذلك أنه ليس له من الفكر الغربي الحالي إلا سطحيات الخصومة بين المضمونين العلماني والأصلاني ( وهذا هو التعين الحديث لنفس الإشكالية التي كانت تسمى علاقة بين العقل والنقل ) في ترجمة تدعي الحداثة مع اهمال كامل للأشكال التي لم تصبح بعد في المتناول وخاصة بعد التوحيد بينهما في المرحلة المتأخرة من الفكر الإنساني الحالي وعدم دراية بصلة الأمرين بالأحداث الفعلية في مجتمعات أصحابها. الفكر في الغرب ليس في طلاق مع حال موضوعاته بل هو في تناغم تام معها ومن ثم فالعلاقة بين تاريخ الأحداث في الوقائع التاريخية ( الظرفي ) وتاريخ دلالاتها في المعاني الرمزية ( البنيوي) علاقة تعاصر وتفاعل حيين يتلازم فيهما التغير المتناسب والمتناظر الجاري في مادة الأحداث وأعيانها وفي شكل الأحداث وبناها(5) . والمعلوم كذلك أن المعاني الرمزية ليست أمرا مقصورا قيامه على الأذهان إلا حال انعدام هذه العلاقة الحية في المجتمعات التي تعيش ما لا تفكر فيه وتفكر في ما لا تعيش ككل المجتمعات المنفصمة التي يحصل فيها الطلاق بين وجودها العيني وصيغه الرمزية الحاصلة في ادراكها لوجودها العيني. أما في حال وجودها فيها فإن المعاني الرمزية هي عين تشكل الحدث في الأعيان. ذلك أن المؤسسات الاجتماعية والخلقية والنظريات العلمية والمبدعات الفنية كلها تعينات للمعاني الرمزية وهي في نفس الوقت أحداث اجتماعية ذات وجود تاريخي ولا حقيقة لها إلا حيث يكون الوجود الاجتماعي هو عين الوجود المنتج والمحافظ والموزع والمستهلك والراعي لها. بل إن ذلك يقبل القول حتى على الطبيعة من حيث هي أحداث ونظرياتها وتصوراتها من الميثولوجي إلى التكنولوجي لهما نفس العلاقة التي نجدها بين الحدث الاجتماعي ومعناه. فالطبيعة ليس لها وجود طبيعي إلا كمفهوم حد هو ما يسعى الإنسان إلى صوغه في فعله الرمزي عامة والرمزي العلمي والرمزي التقني الخ... والحي من الحضارة هو هذا التناسب والتناظر من حيث هو علاقة تعاصر بين ضربين من القيام كلاهما مضاعف. فالحدثي مضاعف من حيث هو وظائف ومن حيث هو أدوات أو أعضاء تتحقق بواسطتها تلك الوظائف والرمزي مضاعف من حيث هو تعين رمزي للوظائف في المؤسسات وللأدوات في طرق العمل ومعاييره. ومن ثم فتحليل مقومات الظرفية التاريخية وصلة الإشكالات الأساسية التي تحدد هموم الفكر العربي النقدي بها طبيعة ودورا كما يتعينان في مضموناته العلمية وأشكاله المنطقية والمنهجية بوصفهما عين ما تتحدد بالقياس إليه خاصيات الفكر العربي المعاصر في صلتها بخاصيات الفكر العالمي يعد منصة انطلاق البحث الضرورية حتى نخلص الحوار بين المثقفين مما تردى إليه من خصام حول مواقع زعامة ليس للحائزين عليها والطامحين إليها من معايير إلا ما ساد بين مغتصبي ولاية الأمر عندنا: معايير الزعامة السياسية المستندة إلى حجة القوة والناتجة عن ولاءات سياسية لمن بيدهم السلطان سواء كانوا في الحكم أو في المعارضة هي عينها المعايير المطبقة في مجال المعرفة التي لا يستمد أصحابها منزلتهم من دورهم فيها بل من موقعهم من ذوي السلطان الأجنبي عن العلم أعني السلطان السياسي وهو ضرب من الجاه وليس علما. وبذلك تتعين غاية المحاولة فتقتصر على الجواب عن سؤالين(6) حان أوان طرحهما بعد أن توطدت عدة مدارس مزعومة ذات أسماء أعلام في كل أركان الوطن العربي, لتحديد موقعها ووقعها على الفكر وعلى الواقع التاريخي: السؤال الأول:- ما طبيعة النقد في العمل الفلسفي العربي الراهن وكيف ننزله في الجدل الفلسفي الدائر في العالم حاليا ¿ فأصحاب هذا العمل ينسبون إليه صفة النقد الفلسفي إما بمقتضى موضوعه الذي ينتسب إلى التراث الفلسفي العربي الوسيط أو إلى الفكر الفلسفي الغربي الحالي أو إلى الأمرين معا تطبيقا على الوضع العربي الراهن عامة أو على إحدى تعبيراته ( الإبداعية أو العملية ) سعيا إلى فهم مفارقات تجربيتي اللقاء العربي بالفلسفة القديمة والحديثة مفارقاتهما التي يمكن أن تعد الحائل الحقيقي بين فكرنا والبلوغ إلى مرتبة الفكر الفلسفي المبدع. السؤال الثاني: - ما ظرفية الحضارة العربية التاريخية من حيث صلتها بظرفية محددي مقومات التاريخ العالمي الحالي والفكر العالمي المعبر عنه¿ فالمحاولات النقدية التي يباشرها الفكر الفلسفي الإسلامي عامة والفكر الفلسفي العربي بصورة خاصة ذات صلة وطيدة بهذه الظرفية ما قد يجعلها مناسبة لتحديد موقف تاريخي متميز يمكن من اكتشاف بنية نهوض مؤثرة, خاصة وأن ما يحصل في الفكر الفلسفي النقدي العربي الحالي ليس وليد الصدف ولا أهواء المفكرين بل هو ثمرة تطور الفكر العربي الإسلامي نفسه وتطور علاقته بمحددات التاريخ الدولي التطورين الخاضعين لمنطق النهوض الحضاري والفكري كما يمكن تحديده فلسفيا وتحقيقه تاريخيا. ولما كان غرض البحث الجواب عن هذين السؤالين بات البحث مؤلفا من ثلاثة فصول: الفصل الأول تمهيدي وهو يحدد مفهوم النقد ومآله في الفكر الفلسفي الغربي الحالي. الفصل الثاني هو المطلوب وهو يصنف محاولات النقد الفلسفي العربي في حقبتيه ودلالاتها. الفصل الثالث لتأسيس التجاوز وهو يحدد وضعية الحضارة العربية ودور الفكر في الظرف الدولي
الفصل الأول تمهيدي محددات النقد الفلسفي الغربي الحالي
ننطلق في التعريف بمحددات النقد الفلسفي الغربي الحالي من خلال الغاية التي تسعى إليها تياراته والتي تبين مآل الفكر الغربي إلى موقف معرفي ومعياري يجعله يتحدد سلبا بالقياس إلى الظرفية التي وصفنا, أعني موقفا يفهمنا انتهاء الفكر الغربي إلى التلازم بين لاأدرية ما بعد الحداثة ودغمائية اللاهوت تحقيقا لوحدة الضدين في موقف يجمع بين معنيي السفسطة حصرا للفكر في خداع الخطاب السياسي العامي ( المعنى الحقيقي للديموقراطية) والكذب النسقي للاسطورة الدينية التوراتية المؤسسة للربط بين اللاأدرية المعرفية والدغمائية العقدية التي تعلل فلسفة السفسطة الحقوقية بتأسيس شرعية وحيدة هي إرادة الأقوى في غايتها القصوى إضفاء لطابع الحق الالهي على الأمر الواقع الطبيعي كما في نظرية الأرض الموعودة التي تحدد وجودنا التاريخي وفكرنا بالسلب بتطابق شكليها في الأرض الموعودة القديمة( إسرائيل ) وفي الأرض الموعودة الحديثة (الولايات المتحدة) إذ تلتقيان بالعودة إلى منطلق هذه الأسطورة الجغرافي أعني العراق. وسنعتمد في هذا التعريف على مدخلين: الأول نبين فيه انتهاء الفكر الغربي النقدي إلى سلطان خداع الخطاب في مفهوم المنعرج اللساني الثاني نبين فيه مدلول السوفسطائية المحدثة التي يعبر عنها وجها ما بعد الحداثة أعني لا أدرية السوفسطائية ودغمائية الكنائس المعمدانية. نستند في المدخل الأول إلى محاولة هابرماس في مقال له بعنوانHermeneutic and Analytic Philosophy: Two complementary Versions of the Linguistic Turn الوارد في كتاب الفلسفة الألمانية منذ كنط (7) . فقد سعى إلى إثبات حقيقتين في وصف ما يمكن أن يعد المميز الأساسي للفكر الغربي الحالي الذي يحمل اسما شبه علم هو "المنعرج اللسانيLinguistic turn " الذي سنرى دوره في التأسيس للعودة إلى الموقف السوفسطائي بمعاني نحاول تعريفها هنا: فأما الحقيقة الأولى فهي بيان وحدة التوجه الغالبة على تياري الفكر الفلسفي الحالي الأساسيين أي التيار التأويلي والتيار التحليلي ومن ثم تكاملهما في العمق تكاملهما الذي تأكدت سماته العامة بفضل هذا المنعرج. وأما الحقيقة الثانية فهي بيان قراءة تاريخ المنعرج قراءة تنتهي إلى نسبة كلا التيارين المتحدين في الغاية إلى الفكرالغربي عامة وإلى الفكر الجرماني خاصة من خلال صلة التيارين بهذه الوجهة التي صارت تحمل اسما شبه علم هو: المنعرج اللساني. ويمكن إيراد هذه الفقرة لإبراز الرهانين: " إن هيدجر هو الذي أدرك قبل غيره - في عودته لهمبولت وبتأثير من سنته في اللسانيات- الطابع النموذجي للتأويلية كما واصلها دلتهي. وفي نفس الوقت تقريبا اكتشف فتجنشتاين بالمقابل نموذجا فلسفيا جديدا في علم الدلالة الذي وضعه جوتلب فراجه. وبذلك فإن ما أصبح يسمى لاحقا بالمنعرج اللساني قد حصل بصيغتين هما الصيغة التأويلية والصيغة التحليلية"(8) وسنرى في هذه الورقة أن الرهان الأول يتضمن الدليل الفلسفي على أن الفلسفي في راهن الفلسفة المعاصرة كله غربي عامة وجرماني خاصة ( حيث حدث الصدام المطلق بين الميثولوجيتين اليهودية والجرمانية: ميثولوجية شعب الله المختار الديني وميثولوجية شعب الله المختار الفلسفي ). فالتياران ( التحليلي والتأويلي) وبدايتهما (نقد النظر ونقد العمل ) وغايتهما ( المنعرج اللساني ) ووحدة الكل جرمانية, لكون مادة التحليل والتأويل وصورتهما أداة وغاية بمقتضى المفهوم الفلسفي ذاته تحددت في الفكر الألماني بحسب شجرة النسب التي يقدمها هابرماس هنا ( اللسان وعلمه). لكنه واضح من البداية أن الرهان الثاني يتضمن الدليل التاريخي على أن الفلسفي في راهن الفلسفة المعاصرة كله جرماني. فمؤسس المنعرج اللساني في التأويل ألماني (هيدجر). ومؤسس المنعرج اللساني في التحليل نمساوي ( فتجنشتاين). وأصل التأسيس الأول ألماني ومواصلاه ألمانيان ( همبولت ودلثاي) وأصل التأسيس الثاني ألماني ( فراجه ). والجامع بين التأسيسين جمعا يتجاوزهما ألماني ( هابرماس ). لن تجد أسما غير جرماني فضلا عن أن تجده غير غربي! ولا يخفى على أحد ممن يعلم تاريخ الفلسفة الغربية ما يعبر عنه ذلك من تنافس بين الفلسفتين القارية وغير القارية إذ من ضمنيات هذا التوحيد نفي الأصل السكسوني للفلسفة التحليلية ( مدرسة كيمبردج )(9) والأصل الفرنسي لدور اللسانيات في الإنسانيات والفلسفيات ( مدرسة جوناف )(10) وإثبات الفرضية الهيجلية الأساسية: بعد اليونان لا توجد أمة فلسفية غير الجرمان الذين يعتبرهم مكلفين برسالة حصرا فيهم بحيث تكون نسبتهم إلى العقل نسبة بني أسرائيل إلى النقل حسب زعمه ( انظر مقدمة تاريخه للفلسفة)(11) . فما هو القصد بالمنعرج اللساني وهل كان هابرماس نسابة أمينا بحق أم إنه يواصل عكس ما يزعمه لفلسفته من تبشير بالكلية التي تتجاوز الخصوصيات الثقافية إلى كليات النوع البشري بفضل محاولة "إنقاذ" المتعاليات الكنطية وتأسيسها في أعماق المنعرج اللساني أي بفضل الفعل التواصلي ونظرية الدوائر الثلاث: الجمالي الذاتي والعلمي الموضوعي ومنظومات المعايير الإنسانية المتعالية عليهما والشارطة لهما مادة للتواصل الفاعل¿ وبذلك تصبح محاولتنا متضمنة مسألتين رئيستين: 1- مسألة المنعرج اللساني وفيها نتساءل عنه مفهوما ودلالة في علاقته بطبيعة الصلة مع التأويل والتحليل بمستوييها الابستمولوجي والأكسيولوجي 2-ثم مسألة دور المنعرج اللساني في إعادة الفكر الغربي إلى الموقف السوفسطائي والنسب المزعوم الذي يخفي أكثر مما يبدي لنناقش علاقة ذلك بالسنن الثقافية التي لم تلغ دور اللسان ولم تهمله بحيث يمكن أن نقول بالقياس إليها إن الأمر في الغرب لا يتعلق بمنعرج لساني Linguistic turn بل بعودة دور اللسان Linguistic return عودة تعارض دور اللسان في البيان لتوطد شروط استعباد الإنسان.
المدخل الأول: مفهوم المنعرج اللساني
من المعلوم أن المنعرج اللساني في الفكر الفلسفي الغربي الحالي من الحقبة المعاصرة هو في المقام الأول حصيلة ظاهرتين أساسيتين كلتاهما تمثل الوجهين البارزين من شعبتي التطور الفكري الغربي. فأما الشعبة الأولى فهي شعبة الفكر المعبر عن التجربة الوجودية في شكلها الديني العملي ( بالمعنى التقليدي للدين والتصوف أو بالمعنى العام الذي لا يستثنى منه الموقف الوجودي الملحد أو موقف حدود العقد). وأول وجهي شعبة الفكر المعبر عن التجربة الوجودية هو التحرر من المؤسسة الرسمية للتجربة الدينية. ووجهها الثاني هو استبدال المؤسسة الرسمية بالتجربة الشخصية. أما شعبة الفكر المعبر عن التجربة العلمية في شكلها الفلسفي العلمي ( بالمعنى التقليدي للفلسفة والعلم أو بالمعنى العام الذي لا يتسثني منه التجربة غير العلمية أو تجربة حدود العلم ) فوجهها الأول هو التحرر من ذاتية الفكر الذهنية. ووجهها الثاني هو استبدال الذاتية الذهنية بموضوعية الفكر اللغوية. وبين أن ما حصل في وجهي التجربتين متناظر بالعكس: تعويض المؤسسة الرسمية بالتجربة الذاتية في التجربة الوجودية وعكسها في التجربة العلمية حيث انتقلنا من ذاتية الذهن إلى موضوعية الرمز(12) . والمعلوم أن ذلك قد حصل في الخطابين الممثلين لشعبتي الفكر الغربي الحالي حقا أو تنكرا أعني خطاب النقد المعرفي النظري ( وهو فلسفي وعلمي ) وخطاب النقد القيمي العملي ( وهو ديني وسياسي) الخطابين اللذين اجتمعا بالتدريج في منبعهما المشترك أي في النقد الفني عامة والأدبي منه خاصة(13) . فأما الظاهرة الأولى فقد غلب على تعيناتها ما نتج عن ثانية المراحل في سعي الفكر الفلسفي إلى تجاوز ما يسمى بخصومة المناهج Methodenstreit بين علوم الطبيعة Naturwissenschaften وعلوم الإنسان Geisteswissenscchaften. وهذه المرحلة الثانية تأكدت منذ حصول أمرين مهمين. الأول هو سد الهوة بين أكثر علوم الطبيعة صلابة ( الفيزياء والكيمياء ) وأكثر العلوم الإنسانية ليونة ( علم الاجتماع والتاريخ ) بفضل علم الظاهرات الوسطى مثل علوم الأحياء وعلم النفس. والثاني هو المرحلة التي بلغت إليها علوم الطبيعة بعد أن تعقدت نظرياتها بفضل تدقيق فيزياء نيوتن تدقيقا تجاوزها في النظريات العلمية المحددة لقوانين لامتناهيات الصغر ولامتناهيات الكبر وفي علاقات اللاتحديد ومقادير التقريب في الفيزياء الكوانتية ونظرية النسبية إلى حد جعلها تبدو غير خالية من الحاجة إلى التأويل لتتنازل من علياء دغمائية العلم الساذج إلى نسبية الحكمة الفطنة.
نسب التيارين الأول
لكن ذلك نمى الميل إلى سحب مبدأ التاويل على كل العلوم الطبيعية ومن ثم إلى تعميمه بإطلاق لكونه أتى رد فعل مفهوم على الاتجاه المقابل المتمثل في سحب مبدأ التحليل على العلوم الانسانية ومن ثم تعميمه بإطلاق إطلاقا لنموذج العلوم التجريبية. فقابلت التأويلية المطلقة التحليلية المطلقة مقابلة رد الفعل على الفعل بخلاف ما سعى إليه المؤسسون الحقيقيون للعلوم الانسانية ( دلتهي ) إذ اعتمدوا في المقام الأول على نقد محاولات تأسيسها الاولى التي أطلقت النزعة التحليلية والتفسير بدلا من التأويل فقاست مناهج علوم الانسان على مناهج علوم الطبيعة (كل الوضعيين ). وأما الظاهرة الثانية فقد غلب على تعيناتها ما نتج عن أزمة الفكر الماركسي وتاريخ المؤسسات السياسية في العهد الشمولي بأصنافه الخمسة المعلومة: دكتاتورية العنف المادي باسم العمال ( الاتحاد السوفياتي ) ودكتاتورية العنف الرمزي باسم رأس المال(أمريكا) والجمع بينهما بالشكل الفاشي ( إيطاليا) أو بالشكل النازي(ألمانيا). ويمكن أن نضيف من منظور العالم الثالث- مع الإشارة إلى عدم تأثير هذا المنظور على تطور الفكر الفلسفي الذي نحلله- التأليف التلفيقي بين أصناف الدكتاتورية الاربعة جميعا في العالم الثالث التابع وخاصة في أمريكا اللاتينية والعالم العربي الذي تتمثل ازمته الروحية والتاريخية في جمع تابع مناف لعقيدته بين عنف مادي دون عمال ( اشتراكية دون صناعة ) وعنف رمزي دون رأس مال ( مخيال مستعار بسينما متخلفة تناوس بين سينما هوليود وسينما الهند مثل ما هو الشأن في السينما العربية) وفاشية دون امبراطورية ( كلام في كلام عن الوحدة العربية ) ونازية دون طموح كوني ( شوفينية العجزة ). وإذن فهذا الميل إلى تعميم التأويلية المطلقة يصدر عن زوجين متلازمين. فأما الزوج الأول فهو إطلاق رد الفعل التأويلي على الفعل التحليلي من منطلق الدراسات الدينية والتاريخية ومن منطلق الدراسات الاجتماعية والسياسية. وأساس المنطلق الأول ذو صلة بمحاولات إحياء علم الكلام في الطوماوية المحدثة ومن ثم بقصد الدفاع عن العقيدة الكاثوليكية(14) والفلسفة الأخروية التي كانت ملتصقة بها تخليصا لها من السذاجة المثالية التي لا تولي أهمية كبرى لمفعول التجارب الحية للوعي الديني(15) . وأساس المنطلق الثاني ذو صلة بأزمة الفكر الماركسي ومن ثم بقصد الدفاع عن العقيدة الماركسية والفلسفة الدنيوية التي كانت ملتصقة بها تخليصا لها من سذاجة المادية التي لا تولي أهمية كبرى لمفعول الواقع المخيالي واللاشعور.
نسب التيارين الثاني وأما الزوج الثاني فعلته عجز إطلاق التحليل عن تحقيق وعوده من منطلق الدراسات الابستمولوجية والفلسفية ومن منطلق الدراسات المنطقية واللسانية. فهو في الحالتين قد أدرك حدوده بما بلغ إليه من طرق مسدودة بعد فشل محاولات رد المعنى عامة Der Sinn إلى بعده الإحالي أو المرجعي Die Bedeutung ومن ثم فشل رد اللسان الطبيعي إلى اللسان الاصطناعي, ما أدى إلى شبه امتناع لتأسيس علم الدلالة الذي شوش عليه بعدا الرمز الأساسيان لتعاليهما على كل حصر في مرجع عام أو معين: بعد أفعال القول في الخطاب Speech acts وبعد مفارقات الطابع المزعوم محيطا لدائرة اللسان إذ تعذر الخروج منها للكلام على الكلام أو على ما عداه من دونه وهو ما يمكن أن نصطلح عليه بالانغلاق اللساني: Language closure . وإذا كان فرع الزوج الأول الأساسي يمثله جيد التمثيل هيدجر فإن فرع الزوج الثاني الأساسي يمثله فتجنشتاين. لكن الفرعين الثانيين ليسا بالهامشيين, رغم أن هابرماس أهمل التعرض لدورهما ( أزمة الفكر الماركسي وأزمة الابستمولوجيا ) لظنه أنهما يقبلان الرد إلى ما ينسبه للممثلين اللذين اختارهما مقتصرا على أزمة الفكر الديني الوجودي والفكر المنطقي اللساني. فهيدجر أطلق الهرمينوطيقا من منطلق الدراسات الفلسفية والمنطقية في الظاهر. لكن منطلقه الحقيقي كان الصحوة المسيحية التي كان لها هذا الشكل بتوسط الفهم الوسيط للفلسفة والمنطق فاقتضت العودة إلى فلسفة أرسطو الخادمة للكاثوليكية في صحوتها خلال النكسة التاريخية والهزيمة العسكرية في الحرب العالمية الأولى. وزوال الفواصل بين العلمي والأدبي هو المعنى الحقيقي للمنعرج اللساني في هذه الحالة فبات الخطاب الفلسفي ذو النزعة العلمية عنده انحرافا ميتافيزيقيا يمثل عنده لعنة الفكر الغربي الحديث منذ اكتمال فلسفة الذاتية التي بدأت بأفلاطون وانتهت بنيتشة ( خلافا لما يتصوره من لم يفهم هيدجر ظنا منه أنه من محبذي الفلسفة الذاتية ومن المفاخرين بنسبة العلم والميتافيزيقا إلى الغرب ): من سلطان الرؤية التي لا تكشف إلا بقدر ما تحجب إلى سلطان إرادة الإرادة التي هي العدمية المحضة ممثلة بالعلم والتكنولوجيا أو طغيان جهاز العدة والعتاد لتهديم الطبيعة والعباد Das Gestell. وطبعا فبديل العلم والتحليل هو الشعر والتأويل. أما فتجنشتاين فقد أطلقها من منطلق الدراسات الفلسفية والمنطقية في الظاهر. لكن باطن فلسفته يقول إن المنطلق كان الصحوة الصوفية التي ازالت عنده الفواصل بين الوجودي والذوقي الذي يعجز عنه اللسان فبات كل شيء مما ينقال " لعبة مقام المقالLanguage games " ( وهي عكس قاعدة البلاغة التقليدية : فلكل مقام مقال يعني تقدم الوجودي على اللساني, أما لكل مقال مقام فهي تعني أن لعبة المقال هي التي تنتج هوية المقام إذ لا شيء يوجد وراء المقال عدا ما يحدثه هو وتلك هي لعبة المقال بشرط ربطه بأشكال الحياة من حيث هي تجارب وجودية لا تدرك إلا ذوقا صوفيا لكونها جميعا من جنس لذة الجماع ذروة تجارب الوجدان الحيوي ) ومما لا ينقال المؤسس لما ينقال أشكال حياة.
الدلالة العامة وفي الجملة فإن إطلاق التأويل في حالتي الفرعين الأولين من الزوجين انتهى إلى الجمع بين غديرين التقيا في جدول يجمع بعدي الفكر المتجاوز لمحددات العلم والمنطق الوضعية إلى مرسلات الدين والتصوف الطبعية وذلك لتغييب هابرماس الغديرين الآخرين اللذين تنبع منهما فلسفته: غدير ازمة الفكر الماركسي وغدير أزمة الفكر العلمي. لذلك كان الفرعان الثانيان هما الممثلان لما يدافع عنه هابرماس: فرع النقد القيمي المتعالي على النسبية الثقافوية بمحاولة اثبات المتعاليات البراغماتية شرطا لفلسفة العمل ( النظرية الاجتماعية: هابرماس ) وفرع النقد العلمي المتعالي على النسبية المعرفية بمحاولة اثبات المتعاليات الدلالية شرطا لفلسفة العلم ( العقلانية النقدية: بوبار). ومثلما أن فلسفة بوبار العلمية تؤدي إلى نظرة سياسية يستند إليها نقد الشمولية الافلاطونية فيؤسس لكونية الديموقراطية ومن ثم يمكن من اعتماد نموذج تطور المؤسسات السياسية لتفسير النظريات العلمية فيتم التوفيق بين انغلاق النماذج المنهجي دون جمودها الوجودي لقابليتها للتناوب بحسب معيار البقاء للأنسب في تصور براجماتي للمعرفة, فإن فلسفة هابرماس العملية تؤدي إلى نظرة معرفية يستند إليها نقد نسبية ما بعد الحداثة فيؤسس لكونية الديموقراطية ومن ثم يمكن من اعتماد نموذج تطور المؤسسات المعرفية لتفسير النظريات العملية فيتم نفس التوفيق بحسب نفس الشروط. ومن ثم يصبح المنعرج اللساني علامة على العودة إلى الكونية البشرية بمدلول برجماتي يحرر اللسان من الانغلاق على البعد التداولي فيتجاوز إلى بعد دلالي يتسع تدريجيا بفضل التواصل والنقد المتبادل الذي هو جوهر الفعل التواصلي. وبذلك يمكننا أن نقول تأييدا مؤقتا لهابرماس وإلى حين التدقيق في النسبين قولة الرياضيين التقليدية: ذلك ما كان علينا بيانه C.Q.F.D., أعني البرهان على وحدة التيارين التحليلي والتأويلي في شرط التحليل والتأويل الواحد وأداتهما أعني اللسان. ولا غرابة فهو مبدأ تحديد مفهوم الإنسان سواء كان ذلك منعرجا كما يقول الفكر الغربي الحاليLinguistic turn أم هو عودة كما يمكن لعربي خاصة أو شرقي عامة أن يقول وكما سنحاول بيانه: Linguistic return. فيمكن لعودة اللسان هذه أن تفهم بمعنيين: إما إنقاذ ما ألغي من أبعاد الرمز لفهم منتجات الفكر الإنساني ومحاولاته لإدراك الحقيقة والتعبير عنها تخليصا للمعرفة من النزعة الذهنوية الإرجاعية التي دشنتها فلسفة الذاتية والتمثل التي أهملت كل منتجات الخيال وأهمها الفنون والأديان وكل ما يتعالى على المثل والأذهان أعني ما لم يفقده الشرق العربي وبالتالي ما لا يحتاج للعودة إليه إذ هو لم يخرج منه أو عودة إلى حصر ظاهرات الفكر الإنساني في ما يمكن للرموز أن تخادع به وتغالط لتعيدنا إلى الفكر السوفسطائي في أفسد وجوهه بديلا من التحليل والتأويل الخاضعين لقواعد تمكن من جعل اللسان أداة بيان وتنوير بدلا من أن يكون أداة إبهام وتحيير. ويبدو أن محصلة المنعرج اللساني هو الخيار الثاني لان كل الضمانات للفصل بين هذين المآلين باتت في مهب الريح وغير قابلة للتحديد. لذلك فإن المآل الغالب لهذا التطور هو عودة السفسطة التي لها صلة متينة بما يسمى الكونية السوقية الديموقراطية. المدخل الثاني: السوفسطائية المحدثة والهيمنة الأمريكية كل القراء سواء كانوا من ذوي الثقافة الإسلامية التقليدية أو من ذوي الثقافة الغربية الحديثة يعلمون المقصود بالسوفسطائية في صورتها التي فرضها النقد الأرسطي والأفلاطوني لفكرأصحابها وسلوكهم. ذلك أن هذه الصورة قد عمت الفكر القديم والوسيط فلسفيا كان أم كلاميا. فقد حصر مدلولها في تهمتين استهجانيتين هما فساد قائلهم الخلقي وفساد قولهم المنطقي وفي بعض الأعلام البارزين الذين الصقت بهم الصورتان مثل برروتاغوراس وكراتيلوس حتى سميت محاوراتان أفلاطونيتان باسميهما. فأفلاطون ألح بلسان سقراط على نقد الفساد الخلقي معتبرا السوفسطائيين قوما يتاجرون بشبه من المعرفة ويعلمون الخطابة للسياسيين حتى يمكنوهم من مغالطة الرأي العام نيلا لرضى الناس على حساب الحقيقة: من هنا احتقاره للديموقراطية. وأرسطو بلسانه الشخصي شدد على نقد الفساد المنطقي معتبرا السوفسطائيين مغالطيين يستعملون المنطق بوجوه سقيمة حاول حصرها نسقيا في كتاب التبكيتات. ولما كان استعمالهم ليس في الأغلب استعمالا على جهل فإنه ينسبه إلى التجاهل. لذلك فنقده يفترض المعنى الخلقي الذي اهتم به استاذه شرطا في وجوده. أما النقد الأفلاطوني فيفترض عكس ما يراه ارسطو: إذ إن أدواتهم التعبيرية لها عنده من الفاعلية ما قد يفوق فاعلية المنطق الأرسطي. ولعل الفرق بين الموقفين علته أسلوب الرجلين: أسلوب الأدب التأويلي الذي اختاره المعلم وأسلوب العلم التحليلي الذي اختاره التلميذ. فأفلاطون يسلم بخطر الأسلوب السوفسطائي حتى إنه اعتبر اصلاحه السياسي والخلقي رهين التخلص من نمط التربية السوفسطائية المستندة إلى أدوات التعبير الأدبي حيث للخطابة والشعر دور التخدير الأيديولوجي والتمويه الخلقي اللذين يقابلان أسلوب استاذه التوليدي صاحب التوعية الفلسفية والتنوير الخلقي: تلك هي علة نفي الشعراء من جمهوريته.
تعديل الصورة في الفكر العربي الكلاسيكي وإذا كان الفلاسفة المسلمون قد جمعوا بين الوجهين الأفلاطوني والأرسطي لم يتجاوزوهما, فإن المتكلمين غاصوا إلى الأساس الشكاكي الجذري فعادوا بالمسألة السوفسطائية إلى مدلولها الحقيقي آخذين إياها مأخذ الجد: لأن علاج علتها شرط الإيمان إذا كان صاحبه صادق الجنان. عندئذ يكون السؤال حول الفكر السوفسطائي سؤالا فلسفيا نظريا بحق لكنه ديني عملي الجوهر: هل الموقف الشكاكي الذي يمثل الأساس الفعلي للسوفسطائية في حقيقتها الفلسفية ( السلوب الثلاثة المعلومة- نفي حقائق الوجود ونفي قابليتها للعلم ونفي قابلية علمها للتبليغ- والتي يعد قصيد باريمنيدس ردا عليها كما يتبين من الشذرة الخامسة ) قابل لأن يقفه المرء وقوفا صادقا¿ إم إنه في مطلقه ينتهي إلى إطلاق ما يزعم أنه يسعى إلى تخليص العقل منه¿ ألا يؤدي الموقف الشكاكي عند عدم الصدق إلى التياؤس ( تكلف اليأس ) من المعرفة من أجل استبدال الوثوقية اللاعقلية والإيمان الأعمى بالوثوقية العقلية والإيمان المعلل في مشروع إيديولوجي يستهدف استعمال العقل استعمالا مزورا¿ أليست محاولات الأنبياء والفلاسفة هدفها تخليص الإنسان من هذا التزوير الذي يستعمل التياؤس¿ فتكون الرسالات والفلسفات الموجبة ردا على مواقف سالبة تستعبد الانسان هدفها تحرير العقل الإنساني من الموقف الشكاكي غير الصادق والذي يرفض الخيار على بينة بفرض خيار وحيد: التسليم للوثوقية العمياء بعلة عدم كفاية العقل تأسيسا لكل السلط الروحية الوسيطة بين الإنسان والمطلق, أعني تقسيم البشر إلى متبوعين وتوابع. لم يكن الأنبياء والفلاسفة من السذاجة بحيث تغيب عنهم هذه الحقائق الوجودية: فهم على بينة من أمواج المجهول المتلاطمة بل هم منها يستنتجون ضرورة المعقول وإن كان محدودا رفضا لموقف الإنسان المشلول وإن كان مجهودا. ويكفي أن يقرأ أي إنسان بعين بصيرة جل آيات القرآن التي توجه الخطاب للنبي نفسه تثبيتا له مع الشك الصادق والتردد الواثق والتحير الفالق: وتلك هي علة تعويض وهم السلطان الروحي المعصوم عند السابقين على الإسلام بحقيقة سلطان الاجتهاد المهموم فيه. وكذلك كانت ثورة سقراط. فهو لم يدع علما مطلقا بل الحقيقة الوحيدة التي بنى عليها ثورته هي قوله: نور العقل المؤمن بالحقيقة شاف إذا صاحبه جهد كاف. فسقراط ينطلق من الموقف الشكاكي هو أيضا. لكنه يقفه بصدق. لذلك فهو يبني على علم المرء بجهله ضروة رفع الحكم في كل ما يقتضي تحويل الشك إلى يقين كاذب هو جوهر الاستعمال الايديولوجي للعقل: وتلك هي التربية السوفسطائية الفاسدة خلقيا ومنطقيا والنابعة من نفس الأساس الشكاكي. وما أطلقنا عليه اسم السوفطائية المحدثة هو عودة هذا النوع من التوظيف لشكوك العقل والإيمان الملازمة لهما ملازمة تجعلها أساسا لهما عند الصدق والنور وعلة لنقيضهما عند الظلام والزور. وهذا هو مطلوب بحثنا: بيان أبعاد الصدق والزور في السوفطائية المحدثة عند أصحابها من أهل العولمة مثيلة الإنسان الآلي الذي يستمد من الصهاينة ماله من " سوفتوار" ومن أمريكا ما له من "هارد وار" . وكذلك عند الببغوات العربية التي تحاكيها مع الجهل بدلالاتها. لم يفهموا بعد علة اجتماع "السوفتوار" المريض و"الهارد وار" البغيض على العرب والمسلمين: فليس يمكن أن يكون ذلك محض صدفة. هدفنا أن نبين العلة الفلسفية والدينية العميقة التي جعلت الصراع بين اليهودية والمسيحية الصهيونيتين من جهة أولى وكل العالم بالتبئير على العروبة والإسلام من جهة ثانية جوهر اللحظة التاريخية الآن ومركز تحديد كل آفاق الإنسانية المقبلة: المنتصر في هذا الصراع هو الذي سيكون محدد مستقبل الإنسانية. القصد من هذه الإشارات الخاطفة كل هذه اللوامح مقصودة. فهي توميء إلى جوهر المراجعة الغربية المعاصرة بالمعنى المتأخر ( أي ما بعد نيتشه لكون المعنى المتقدم من الحقبة المعاصرة في تاريخ الفلسفة هو ما بين كنط ونيتشه ) لموقفي مؤسسي الميتافيزيقا في ما يسمى بفلسفات التفكيك والهيكلية المحدثة والأنطولوجيا الوجودية ونظرية مقال المقامات اللسانية (language-games) تجاوزا لمحاولات احياء الكنطية والطوماوية ومحاولات إصلاح الماركسية وتجاوز التنوير ( في مدرسة فرنكفورت ) في نهايات القرن التاسع عشر بالنسبة إلى المحاولات الأولى ( مدرسة الكنطية المحدثة ببعديها التحليلي الطبيعي والتأويلي الثقافي بماربورغ ثم فينومينولوجيا هوسرل خاصة ) وبدايات القرن العشرين بالنسبة إلى المحاولات الثانية. فما تبين من حدود قاصرة اتسمت بها نتائج هذه المحاولات كان منطلقا لشروع الفكر الغربي في تجاوز الكنطية القديمة والمحدثة خلال مخاض حلقة فيينا إلى حد تجاوز الفلسفة التحليلية ( فتجنشتاين ) والفلسفة التأويلية ( هيدجر ) وتأسيس جديد الذرائعية ( ديوي ) وعديد المنطقية واللسانية ( كواين ). عندئذ لم يكن بوسع الفلسفة أن تعدو همين لا ثالث لهما بعد اليأس من العقد ( بؤس الإيديولوجيا ) ومن العلم ( بأس التكنولوجيا ) المطلقين : النقد الأدبي الجمالي والنقد الاجتماعي الثقافي بكل مدارسهما المثبت منها والنافي والمتأثرة بمحاولات التجاوز التي ذكرنا بعد ان صارت بديلا من كل قول فلسفي نسقي وبعد أن وقع الحط من شأن القول العلمي. والمعلوم أن النسقية الفلسفية والمزاعم الابستمولوجية ( علم المعرفة ) والأنطولوجية ( علم الوجود ) والأكسيولوجية ( علم القيم ) صارت اهزوءات هذا الرهط من المفكرين الأدباء استنادا إلى إغارات نيتشة عليها إغاراته التي مجملها ومحصلها عبارة واحدة جامعة مانعة: ليست الحقائق في كل هذه المستويات إلا أكاذيب نافعة تختلقها الحياة اللاواعية للتكيف مع شروط وجودها. فبات هذا النمط من التفكير موضة في المدرسة الفرنسية لعل أسوأ صورها ما يسمى بالفلاسفة الجدد المبشرين بالأصل الصهيوني للعقيدة التوراتية في المغص الذي أصابهم من سوء مضغ فضلات الفكر الألماني. وقد بلغ الأمر بأصحاب هذه النحل إلى محاولات لي عنق اللغة الفرنسية اللاتيني لتتكلم جرماني ففقدوا مشيتهم ومشية الحمام ولم يصبح لهم من عمل عدى التنافس على ملء التلفزات التي تسبح بحمد أسرائيل ليلا مساء. ولما كانت هذه المدرسة أكثر المدارس الغربية تأثيرا في الأنصاف من مثقفي العرب وشعرائهم وصحافيي الثقافة عندهم فإنها قد صارت بشحيح مائها الآسن الوحل الذي غاص فيه الجميع إلى الأذقان. فلم يبق عندهم إلا الأفكار المومياوية في الصحافة اليومية ليا لعنق اللغة العربية علها تتكلم فرنسيا مجرمنا ليس فيه من عربي عدى الصوت فاقد الصوت والصيت وواجد اللغط واللغيط.
المدخل المناسب لتحديد منزلة الفكر العربي لما كانت اللحظة العربية ببعديها الواقعي ( أحداث التاريخ ) والمخيالي ( معاني احداث التاريخ ) ذات صلة متينة بذاتها من خلال صراعها مع رمزي الفكر الغربي الروحي ( إسرائيل ) والمادي ( أمريكا ) وكان البعدان قد اجتمعا في اللقاء الصدامي بين ممثليهما وبيننا بات من الواجب أن تكون مسألة السوفسطائية المحدثة منطلق تحديد منزلة الفكر العربي من خلال المسألة النقدية وصلتها بالفكر الأمريكي على وجه الخصوص متعينا في الكلام المسيحي المتصهين. ذلك أن السوفسطائية المحدثة تنفي الحقائق العقلية التي انبنى عليها التنوير الفلسفي باطلاق النسبية وحصر كل القيم في النتيجة الخلقية السلبية الناتجة عن قانون الانتخاب الطبيعي. وبذلك يتبين أن وظيفتها الإيديولوجية لا تختلف في شيء عن السوفسطائية القديمة التي نقدها أفلاطون وأرسطو وعمق مسعى التحرير منها فكرنا الفلسفي والكلامي والفقهي والصوفي إلى أن بلغ به النضوح حد الصياغة العلمية لمبدإي الاجتهاد العقلي ( التواصي بالحق) والجهادي الإرادي ( التواصي بالصبر): لذلك فلا عجب أن يتعين هذا الصراع الذي كان في الماضي متواليا في لحظة الحاضر على نمط التساوق بين إرادة التحرر العقلي والإرادي عند العرب والمسلمين وإرادة الهيمنة الإيديولوجية ( اسرائيل ) والمادية (أمريكا). عندئذ نفهم علة اعتبار متكلمينا السوفسطائية نفيا للحقائق الإيمانية التي انبنى عليها التنوير الديني تجاوزا للفهم الأفلاطوني الأرسطي الذي لم ير منها إلا سطحها عندما تجنب البحث في علة الرد البارمينيدي على السلوب الثلاثة ( نفي حقيقة الوجود ونفي علمه ونفي تبليغه ) بلسان الشعر المتنبي. فيكون جوهر الفكر الفلسفي الأمريكي الحالي الذي انحصرت أهم تياراته في هذه السوفسطائية المحدثة كلاما ( = علم كلام ) سلبيا متنكرا موضوعه الإنسان المهيمن بسلب غيره من البشر الحاصل فعلا (= صارت الأنثروبولوجيا بديلا من الثيولوجيا, بحيث يمكن أن تأخذ كل كلام المدرسية الوسيطة وتبقي على ما فيها عدا تعويض واحد تقوم به: تضع كلمة إنسان مكان كلمة الله ) مثلما كانت السوفسطائية القديمة كلاما سلبيا متنكرا موضوعه الله المسلوب من الإنسان الطاغية واضع مشروع الهمينة هذا في فلسفة كاليكلاس السياسية . فالله الذي يعد جوهر الحقائق عندنا هو في الفهم السوفطائي الكذبة الكبرى التي يتوكل عليها الضعفاء. لذلك فإن تهديم هذا الأساس الواحد للفكرين الديني والفلسفي ليس بالأمر العجب ( ممثلة بابراهيم وسقراط نموذجين لهذا التوحد: إذ إن النبي بنى طلبه على حدود الظاهرات الطبيعية والفيلسوف بناه على حدود الظاهرات الخلقية ): فالفكر السوفسطائي في وجهه السلبي دغمائية القوة التي تنفي الحقائق الوجودية التي لا يقوم للإنسان سوي الوجود من دونها. أما في وجهه الايجابي فهو الشكاكية التحررية التي تدرك حدود الشاهد فتفرض الغائب لتؤسس للحرية. لذلك فإن السوفسطائية السلبية لا ينطلي طابعها الفلسفي إلا على الأغمار في تاريخ الأفكار: وبهذا تكتمل الحلقة وتنغلق الدائرة فندرك العلاقة بين السوفطائيتين القديمة والحديثة ومعارضاتهما.
الفصل الثاني: أصناف النقد الفلسفي العربي ومنزلته
ليس محطا بالفكر العربي المعاصر إذا قلنا إن المحاولات النقدية في أعمال الفلاسفة العرب المعاصرين لم تتعلق إلا لماما بعلم معين(16) بسبب التأخر في العلوم الحديثة وتأخر فلسفة العلم الحية أولا(17) وبسبب الطابع الهامشي لدور العلم في حياة مجتمعاتنا التي ما تزال مؤسساتها ووظائفها الأساسية تعمل بالطرق التقليدية فضلا عن الطابع المباشر لصلتنا بالطبيعة لقلة الوسائط التقنية والتكنولوجية الواصلة بيننا وبينها. وحتى ما تعلق من محاولاتنا النقدية بالعلوم الشرعية أو بالعلوم الإنسانية فإن الفلسفي فيه لم يتجاوز العموميات التي لا تسمن(18) . ولعل البداية الأكثر نجاعة تتمثل في التوطئة لمدخلين يساعدان في تحديد تخوم المجال الفكري العربي الحالي: 1- المدخل الأول يحاول تصنيفا أوليا لكل أصناف النقد الممكنة ما تعين منها وما لم يتعين مرحلة أولى لبحوث لاحقة تمكن من فهم صلاتها بعضها بالبعض وتساعد على تطوير جدلية داخلية تساعد على خلق الفضاء الفكري الولود والتخلص من العقم الحالي أو على الأقل على ما يبدو كذلك لكل من يحاول تحسس نبض الفكر العربي. 2- أما المدخل الثاني فهدفه حصر المقابلات العقيمة التي ينبغي تحرير الفكر العربي منها ليشرع حقا في الفعل الخصب نظريا وعمليا من خلال المشاركة الحقيقية في واقع الأحداث التاريخي وواقع المعاني الرمزي لقيام الأمة في لحظتها الراهنة من حيث صلتها بظرفها الدولي كما حددتها الأحياز المقومة: الجغرافيا والتاريخ والسلم ( نظام الرتب في المجتمع ) والدورة الخاصة الموحدة بينها ثلاثتها ( تفاعل الأبعاد الثلاثة السابقة في مجتمع بعينه) في صلتها جميعا بالدورة العالمية أعني نفس تلك التفاعلات ولكن في المعمورة والتاريخ الكوني والسلم الكوني والوجود ككل.
المدخل الأول: تصنيف نسقي لمشروعات النقد العربية تقبل المشروعات النقدية العربية إذا قيست بأثرها المباشر وقريب المدى التصنيف إلى نوعين رئيسيين ونوعين هامشيين. ويمكن أن تنعكس منزلتهما إذا قيسا بالأثر غير المباشر وبعيد المدى فيصبح الهامشي رئيسيا والرئيسي هامشيا. ولعل الأمل الحقيقي في النهضة الفكرية والروحية سيـأتي من قلب التأثير هذا لكون نظام التأثير الحالي لا يزال مرتبطا بمفاعيل السطح. فالنقد الهامشي هو الذي يتصدى للمستويات العميقة من محددات الظرفية التاريخية العربية التي سنحاول تحليلها من منظور أصلها الإيجابي. وسنقدم تصنيفا مؤقتا قد يبدو للقارئ المتسرع خانات خالية بسبب عدم الإحالة الصريحة على أعمال بعينها. لكن المتابعين للفكر العربي الحالي يستطيعون بوضوح تام تعيين المقصودين الذين حددنا خاناتهم دون ذكر أسمائهم بقصد تجنب الإحراج في الغالب. فأما الفرعان الرئيسيان بالمقياس الأول ويتعلقان بالسطح فهما: 1- النقد الإيديولوجي المنتسب إلى المدرسة الماركسية بمرحلتيها التابعتين التي تحاكي نمط الإيديولوجيا الألمانية والتي تحاكي نمط أعمال مدرسة فرنكفورت مع المرور بشكل وسيط بينهما متردد بين النمطين أو متدرج بينهما في تطور شكله من الأول إلى الثاني أو العكس أو إلى شكل متوازن يجمع النقدين الإيديولوجيين. 2- ثم النقد الإبستمولوجي المنتسب إلى الوضعية التي تحاكي نمط دروس الفلسفة الوضعية والتي تحاكي نمط التوثيقيات الفوكلدية مع المرور بشكل وسيط متردد بينهما أو متدرج في تطور شكله من الأول إلى الثاني أو العكس أو إلى شكل متوازن يجمع النقدين الابستمولوجيين. وأما الفرعان الهامشيان بنفس المقياس واللذان يتعلقان بالعمق الحقيقي للحياة العربية الحالية رغم هامشية التأثير فهما: 3- النقد الذوقي بفرعيه نقدا لأعمال الإبداع ونقدا للذائقة العربية من حيث هي ضرب من ضروب الوعي بالوجود مع شكل وسيط متردد بينهما أو متدرج في تطور شكله من الأول إلى الثاني أو من الثاني إلى الأول أو إلى شكل يجمع النقدين الجماليين. وطبعا فالمدارس الفلسفية التي يتأسس عليها النقد بقيت هي هي. 4- ثم النقد التحليلي ( بمعنى علم النفس التحليلي ) بفرعيه نقدا لبعض الشخصيات المؤثرة ونقدا للشخصية العربية من حيث هي ضرب من ضروب تعين ذلك الوعي مع وسيط متردد بينهما أو متردد في تطور شكله من الأول إلى الثاني أو من الثاني إلى الأول أو إلى شكل يجمع النقدين التحليليين. وطبعا فالمدارس الفلسفية التي يتأسس عليها النقد بقيت هي هي. 5- الأزمة أو الفصام العربي الإسلامي الراهن: ويجمع الأصناف الأربعة التي لكل منها خمسة أشكال ( أربعة أصناف في خمسة أشكال فتكون عشرين شكلا من النقد ) أصل واحد تنبع منه كلها من حيث هو معين الفكر الفلسفي العربي الحالي بوعي من أصحابه أو بلا وعي منهم أعني اللحظة العربية المتأزمة لتماهيها الفصامي مع ظرفية الحقبة التاريخية المزدوجة والتي كان لهم فيها دور كوني متناظر الكيف بالتعاكس أعني الحقبة الوسيطة والحديثة بأبعادهما الخمسة ( ذاتها وصلتها بما قبلها من ذاتها وبما قبلها من غيرها وبما بعدها من ذاتها وبما بعدها من غيرها ) من حيث هي مشدودة بالعدمية الناتجة عن وهمي مثالين أعليين ينظر إليهما في تحقق فعلي وليس في تصور مثالي: الماضي الإسلامي معمما على ما تقدم عليه ( الشرق القديم ) والحاضر الغربي معمما على المتوقع من المستقبل (الغرب المقبل). لذلك فإن هذا الفكر يقبل الوصف بالخصائص التالية: 1- فمن حيث الشكل, ينتسب أغلب المحاولات إلى جنس التقويم النقدي وتتصف بالاغتراب الشكلي. فمراحل تطورها الشكلي جميعا مستمدة من عناصر خارجية تتوالى بحسب موضات الفكر الغربي الحالي ودرجات التأثر به إما في دارسته للتراث العربي الإسلامي (التأثير الإستشراقي ) أو في الموضوعات الفلسفية التي تشغله. 2- ومن حيث المضمون لا يعرف عمل فلاسفتنا بمضمون يخصه يجعل الفكر الفلسفي في الجماعة العلمية والفلسفية العالمية تنشغل به بوصفه تجربة فلسفية قد توسع أفق العلاج الفلسفي بل أغلب مضموناته لا تعدها الجماعة الفلسفية فلسفية إلا بنسبتها إلى القول الفلسفي المستمد من تراثنا الفلسفي الوسيط . 3- ومن حيث المذهب النظري الحديث, يعد أغلب المحاولات العربية عرضا للآراء الماركسية أو الوضعية بتقازيحمها مع تلوينات وجودية. وكلتا النسبتين لا تتجاوزان المعنى العامي لهذين المذهبين بسبب سطحية العلاقة وعدم جدية التخصص. لذلك فهي تتصف بالاغتراب المضموني والسذاجة الشكلية. أما صلة عمل فلاسفتنا بالمذاهب النظرية الأهلية فهي بدع من المواقف إذ لا أفهم كيف يمكن للمرء أن يكون رشديا أو غزاليا الآن ثم يستطيع الاندراج في الفكر الفلسفي ما دام التعامل مع المضمون يبدو أمرا ميتا يعود إليه الباحث وليس أمرا متصلا في العمل الفكري أو في المؤسسات أو في التطبيقات المجتمعية أو التقنية يعالجه الباحث من حاله الراهنة. 4- ومن حيث المذهب العملي كلها تقدم الالتزام المباشر بالفعل أو بخيارات مذهبية في المجال المنقود سياسيا كان أو جماليا أو اجتماعيا التزاما يحول دون المعرفة العلمية والفهم الفلسفي الذي يرفع القول إلى مستوى نظري يجعل النقد فلسفيا بحق. لذلك فالفكر لا يكاد يتجاوز القول الصحفي الفاقد للنسيج النظري المعقد بالطبع والبناء العلمي اللامباشر بالطبع لكونهما يستندان إلى النسقية التبديهية. 5- وأخيرا فإن الموقف الوجودي الذي يتميز به فلاسفتنا لا يمثل تجارب فريدة أو محاولات وجودية صادقة فيها شيء من المغامرة والإبداع بل هي أقرب إلى الانتساب الحزبي المصلحي الذي لا يعبر عن التزام وجودي بل عن حساب مصالح. فلا أحد يؤمن حقا بأن للفكر سلطانا عدا السلطان الذي يستمده من السلطان الوحيد الذي لا يعترفون بغيره: السلطان السياسي. ليس بيننا من يموت وفي قلبه شيء من "حتى"! وبذلك فإسهام الفكر العربي المعاصر في الفكر الفلسفي الحديث لم يتجاوز العرض التدريسي لمدارسه وأعلامه أو لمذاهبه سواء تعلق بالماضي الأهلي أو بالحاضر الأجنبي. أما الحاضر الأهلي فهو مهمل لكون تحليل هذه البنية التي هي الشيء الوحيد الذي يمكن أن يعد مادة لفعل تفلسف حقيقي فهو يجري في عماء مطلق لا يصحبه تحليل. لم نفهم بعد علة عدم تجاوز فكرنا الموقفين الدفاعيين الأساسيين التاليين في محاولات التفلسف وراء العرض التدريسي: 1- الموقف الذي يحاول أن يثبت دور الفلسفة العربية في التاريخ الفكري بنقد نظريات مؤرخي الفكر الغربي سواء كانوا فلاسفة أو مجرد مؤرخين, 2- والموقف الذي يحاول البحث عن شروط الاستئناف بنقد ما يتصوره معوقات له وغياب الفكر الفلسفي الإيجابي الذي يعالج مواده علاجا نظريا دون انشغال بالنتائج. الفكر للفكر يعد عندنا وهما لا معنى له وذلك للخلط الساذج بين كون كل فكر يتضمن بعدا ملتزما و بين حصره في هذا البعد. فشتان بين التحديد بالتاريخ تحديدا اضطراريا وبين الارتهان به إلى حد حصر الفكر فيه والتخلي عن كل محاولة للتجاوز في النظر الخالص. لذلك فقد أعادنا هذا الفكر إلى شكل جديد من الفصام بين ما كان يسمى بالعلوم النقلية والعلوم العقلية وأصبح يسمى مقابلة بين الأنائية والآخرية باسم دفاع سخيف عن الخصوصية. والمعلوم أننا إذا واصلنا هذا الموقف فإننا سنجعل فاعليتنا التاريخية مقصورة على رد الفعل والتقابل المطلق مع التوجهين العدائيين لنا بحيث تصبح المواجهة مقصورة على فهمها "اللادني- البوشي" منذ الحادي عشر من أيلول فلا يبقى التحدي فرصة تاريخية بل يصبح نكبة كونية تفقد فيها البشرية ما في الموقفين من قيم كونية لعلها عند الفهم العميق تحقق الانتقال من الصدام الغبي في صيغته اللادنية البوشية التي يستفيد منها تعين الصهيونية المحلي إلى التنافس الذكي الذي يقبل أن يكون التاريخ الإنساني في مضمونه الروحي قابلا للفهم في شكل تنافس بين نموذجين من الكونية من خلال تحديد علاقة الروحي بالمادي والمتعالي بالمتداني فيكون الفرصة التاريخية للتمكن من تعين الصهيونية العالمي تمكنا يلغي التعين المحلي قضاء مبرما.
المدخل الثاني: ضرورة التحرر من المقابلات العقيمة ويشترط ذلك ألا نواصل الجدل البيزنطي الذي أدى إلى رفض القيم السامية لمجرد كونها مما يدعو إليه من نعتبرهم أعداء. وقد بلغ الأمر بهذا الموقف السخيف أن صار بيد العدو وسيلة بسيطة جدا لمنعنا من تحقيق الإصلاحات الضرورية رغم كونها قد كانت دائما مطلبا عند كبار مفكرينا من أمثال ابن تيميه وابن خلدون في الصياغة النهائية لعلل الفشل التاريخي الذي انتهت إليه حضارتنا وعلاجها الروحي الخلقي ( ابن تيمية ) والمادي السياسي ( ابن خلدون). فيكفي أن يجعل العدو هذه الإصلاحات مادة لنقده إيانا حتى نمتنع عن النظر فيها عنادا وحكما سخيفا مفاده: أنه لو كانت مفيدة لما دعانا العدو إليها. لذلك فإنه ينبغي أن نحسم أمر الاعتراضات المموهة الناتجة عن هذا الفكر الساذج الذي أفسد تصورنا للإصلاحات الواجبة التي آلت إلى خمس مقابلات سطحية يكثر الجدل حولها من دون فهم ودون تحليل فلسفي يميز بين ما ينبغي الأخذ به وما ينبغي رفضه من الحلول الممكنة عقلا والمطلوبة مثالا تجنبا لتحويل الموجود الاهلي ( الماضي الإسلامي) والأجنبي ( الحاضر الغربي ) مثالا أعلى. إذ إن الموجود لا يمكن أن يكون مثالا أعلى إلا للقردة: 1- المقابلة بين الحكم الديموقراطي والحكم الديني 2- والمقابلة بين حقوق الإنسان والشريعة, 3- والمقابلة بين قيم السوق والقيم الخلقية, 4- والمقابلة بين الفكر الديني والفكر الفلسفي, 5- والمقابلة الجامعة بينها جميعا أعني المقابلة بين روحانية الشرق ومادية الغرب المزعومتين. فالقابلة الأولى بين الحكم الديني والحكم الديموقراطي تبلغ ذروة التقابل عندما تصاغ في شكل مقابلة بين السيادة الربوبية والسيادة الجمهورية. وواضح أن كلا طرفي المقابلة يكذب في تقديم موقفه. ولنبدأ بالموقف الأول. فالحزب الديني لا يمكن أن يقف هذا الموقف مذهبيا إلا بشرط الانتساب إلى الشيعة أو الخوارج. وكلا الفريقين هامشي في التاريخ الإسلامي. أما السنة بفرعيها الأشعري والحنبلي فإنها وبصورة مذهبية صريحة لا تعتبر الإمامة جزءا من العقيدة. ومن ثم فالسيادة في المجال السياسي أعني رعاية المصالح العامة بلغة ابن خلدون ليست عقدية بل هي اجتهادية إجماعية(19) : إنها إذن سيادة إنسانية وليست ربوبية. كما أنها تاريخيا حددت علاقة الشريعة بالسياسة تحديدا سلبيا. يكفي ألا يعطل الحكم الشرع مذهبيا حتى يعد مقبولا وليس من الضروري أن يلتزم به. أما الحزب الديموقراطي فإنه كذلك لا يمكن أن يقف هذا الموقف مذهبيا إلا بشرط مواصلة الخداع. فدلالة الديموقراطية الأولى ليست حكم الشعب بل هي حكم الفقراء الذين هم بالطبع أغلبية. وهي تقابل الألغارشية التي هي حكم الأغنياء وهم بالطبع أقلية(20) . وإذا كان ذلك كذلك كان تعريف الألغارشية مفهوما ومقبولا عقليا لعلتين. فالأقلية يمكن أن تكون غنية بعكس الأغلبية. والحكم لا يمكن أن يمارسه أكثر مما يحتاج لملء الوظائف بأنواعها الخمسة (أعني السلط الثلاث التقليدية مع اضافة السلطان الرمزي أو الإعلام والسلطان المادي أو الاقتصاد ) التي يتألف منها وهي دائما أقلية بالقياس إلى عدد المحكومين. ومن ثم فالمفروض أن يكون الحكم دائما بيد الأقلية التي هي غنية قبله أو تصبح غنية بعده وبفضله. فإذا وقع بيد الأغلبية الفقيرة فإن من يتولى أمر الحكم منهم سيصبح غنيا بمجرد العلاقة بين السلطة وشروط الحصول على الثروة بغير وجهها الشرعي أو ما يسميه ابن خلدون بالجاه ( عكس العمل ). ومن ثم فإما أن الحكم بطبعه بيد الأغنياء أو هو بطبعه موصل إلى الثروة فلا يكون فيه نصيب للفقراء في كل الأحوال إلا بما هم أدوات تستعملها هذه الأقلية عندما توهمها بأن الحكم بيدها في صراعها مع من ينافسها على السلطة. ماذا يبقى إذن من مفهوم الديموقراطية¿ فهل تكون شعارا يصل بفضله بعض الفقراء إلى الحكم ليصبحوا أغنياء أو شعارا يستعمله بعض الأغنياء ليبقوا في الحكم أو نظام ترضية منهم لهم لئلا ينقلب عليهم بعض الفقراء فيصبحوا أغنياء بديلا منهم. ونفس ما قلناه عن حكم الأغلبية يمكن أن يقال عن حكم الواحد. فهو أيضا نظام مستحيل الوقوع بالطبع. لا بد للواحد من أعوان وهم لن يبقوا كذلك إذا لم يقاسموه ثمرات الحكم أولا ثم بعد ذلك تمتد أيديهم إلى الحكم نفسه. وإذن فالحكم الوحيد الممكن هو حكم الأقلية الغنية إما باسمها أو باسم الواحد ( الملكية ) أو باسم الأغلبية ( الديموقراطية) غطائين لها أو صمامي أمان. ويكفي لفهم هذا أن ندرك أن أرسطو يرجع التصنيف الثلاثي المضاعف بحسب عدد الحكام ( واحد أقلية أغلبية ) وغاية الحكم ( صالح يخدم المحكومين وفاسد يخدم الحاكم ) إلى عامل الثروة الاجتماعي: حكم الأغنياء أو الأقلية وحكم الفقراء أو الأكثرية. وانطلاقا من هذا نبين أن التصنيف اليوناني لا يستقيم وأن الديموقرطية في الممارسة الغربية الحالية المبنية عليه ليست إلا ألغارشية متخفية لأنها حكم الأقلية الغنية في جميع بلدان الغرب. وليس ذلك لقصور أو عيب في الغرب بل لأن ذلك هو ما تقتضيه المقومات التي هي في نفس الوقت طبيعة وشريعة أو إن شئنا حصيلة تاريخية ناتجة عن فعل الإنسان الحر والمحدد بمقتضيات الظرف التاريخي. ومن ثم فنظام الحكم واحد دائما وهو حكم الأقلية التي بيدها الثروة والقوة. ولكن يمكن أن تكون الألغارشية غبية فلا توجد نظاما من الملطفات الرمزية. ويمكن أن تكون ذكية فتستعمل كل المطلفات ومنها النظام الملكي والنظام الديموقراطي. ويمكن الجمع بين النظامين فيصحل النظام الملكي الديموقراطي للجمع بين أفضل الملطفات فيهما كليهما. فهو يمكن من جعل التداول على الحكم من اجل الحصول على الحصة المقبولة من الثروة والسلطة تداولا سلميا بدلا من أن يضطر الناس إلى تحقيقه بالعنف. مشكل الحكم هو إذن كيف نجعل التنافس على السلطة والثروة يكون سلميا بدلا من أن يكون عنيفا مع تحقيق أفضل شروط الوجود المدني السلمي المساعد على إنتاج الثروة التي يمكن تقاسمها أمرا ممكنا فضلا عن الملطفات الرمزية الأخرى مثل شرف الخدمة وكل المكافئات الرمزية التي يوجدها نظام الأمة القيمي. والمقابلة بين حقوق الإنسان والشريعة في العالم الإسلامي لم تعد مسألة قابلة للحسم بالجدل السلمي بل هي أصبحت مصدرا للحرب الأهلية الضمنية أحيانا والصريحة أحيانا أخرى بين التصور الديني والتصور العلماني المدعوم خارجيا دعما تدرج من التشجيع السياسي إلى التدخل العسكري لصالحه فبات أغلب أصحابه يعودون إلى بلادهم على ظهر الدبابة الأمريكية لنشر هذه الحقوق المزعومة. لذلك فإن الأمر قد يذهب إلى حد تحويل حرب حقوق الإنسان الأهلية بين المسلمين إلى حرب أهلية كونية لمجرد أن العالم الإسلامي قد جمع بين الصراع الداخلي والصراع الخارجي وتصوره العائق الوحيد أمام توحيد العالم ثقافيا. لذلك فإن سعي بعض أبنائه التحرري الداخلي أفسدته هذه الوضعية التي جعلت صراعهم التحرري الخارجي يتحول تصديا لحقوق الإنسان بمقتضى توظيف العدو الخارجي للقيم التحررية وتحويلها إلى قيم استعبادية. فاستعمال أمريكا لقوى التحرر يصيبها بالعقم ما دام يسمها بالعمالة للأعداء: بدءا بإسرائيل التي تزعم تمثيل قيم الغرب وأساسها الروحي وختما بأمريكا التي تزعم نفس التمثيل وأساسها المادي. ولعل مجرى الأمور في العراق بداية مثل الأمر الذي نتوجس منه. لكن العرب ينبغي ألا يكونوا من الغباء بحيث لا يميزون بين القيم وتوظيفها. فمثلما أن قيم الإسلام ليست توظيفه الرجعي ضد حقوق الإنسان في الأنظمة الحاكمة باسم الحفاظ عليه وفي حركات المعارضة باسم إحيائه, فكذلك يمكن أن نقول إن قيم الحداثة وحقوق الإنسان ليست توظيفها الرجعي ضد القيم الروحية في الأنظمة التي تحكم العالم باسم الحفاظ على الحداثة وفي حركات المعارضة فيه باسم إحياء الحداثة. علينا كعرب وكمسلمين أن نبدع آفاق جديدة يكون فيها مفهوم الفطرة التي فطر الله الناس عليها وحقوق الإنسان أمرا واحدا فتكون حقوق الإنسان بذلك خمسة أجيال بدلا من ثلاثة كما يقتضي ذلك علم أصول الفقه أو أصول الحقوق والواجبات وضعية كانت أو منزلة. فالحقوق تنقسم إلى خمسة أصناف بحسب المقاصد العليا من الوجود الإنساني الذي يكون فيه كل شخص خليفة إذا لم يذهب به الغرور إلى حد رقاعة الاتحادية أو التواضع إلى حد وضاعة الطبعانية. فهو ذات تتصف بأربع صفات جوهرية يتقوم بها وجودها الأصيل. وهذه الصفات هي بحسب الترتيب من الشرط إلى المشروط: صفات الحياة والعلم والقدرة والارادة. فالحقوق المتعلقة بصفة الحياة هي الحقوق التي تنمي الحياة السعيدة ماديا وروحيا فتتطابق مع مقصد الدين غاية للمسؤولية والتكليف. والحقوق المتعلقة بصفة العلم هي الحقوق التي تنمي العقل وتجعل استعماله أمرا ممكنا فتتطابق مع مقصد العقل بداية للمسؤولية والتكليف. والحقوق المتعلقة بصفة القدرة هي الحقوق التي تنمي الملكية وتجعل استعمالها أمرا ممكنا فتتطابق مع مقصد المال شرطا ماديا للعمل. والحقوق المتعلقة بصفة الإرادة هي الحقوق التي تنمي المنزلة الاجتماعية فتجعل استعمالها أمرا ممكنا فتتطابق مع مقصد العرض شرطا معنويا للعمل. والحقوق المتعلقة بالذات هي الحقوق التي تحمي وجود الذات البدني والنفسي فتتطابق مع مقصد النفس أساسا وغاية للوجود الشخصي الذي استخلف في الأرض. وبهذا المعنى فإنه لا يمكن اعتبار حقوق الإنسان قيما خاصة بالغرب تقبل الرد إلى التوظيف الأمريكي لها. لا يمكن الخلط بين الحقوق واستعمالها الخبيث من العدو ولا بين الإسلام واستعماله الأكثر خبثا ممن يقدم نفسه على أنه حريص على الإسلام فيتصوره مجرد عودة إلى قيم الجاهلية في أفغانستان طالبان حصرا للصحوة الإسلامية في مجرد رد الفعل مستبدلا العلاقة السلمية بين الإسلام والحداثة بحرب صليبية بين الإسلام والغرب. أما المقابلة بين قيم السوق المنسوبة إلى ما يسمى بالثقافة الاستهلاك المادية والقيم الخلقية المنسوبة إلى ثقافة القناعة الروحية فهي تدل على جهل بمعنى القيمتين. فالقيم الخلقية هي قيم التعامل بالقيم المادية. وهي من ثم عديمة المعنى من دونها. هما قيمتان متشارطتان: من دون تبادل القيم المادية لا يمكن الكلام عن أخلاق ومن دون أخلاق لا يمكن النجاح في انتاج القيم المادية فضلا عن تبادلها. وتلك هي علة التخلف: فالفشل المادي دليل قاطع على عدم الأخلاق إذ إن النجاح في الانتاج والتبادل علتهما الضمير المهني والحذق الصناعي والأمانة في التبادل. وبذلك نفهم علة الربط بين الميزان والأخلاق والدين في القرآن. ويكفي النظر في مفهوم التطفيف ومعاني العوض المشروط بالتكافؤ في التعامل المادي والمعنوي حتى إن كل المفهومات الدينية المتعلقة بالحساب والجزاء مستمدة من التجارة. أما المقابلة بين الفكر الديني والفكر الفلسفي فقد خصصنا لها كتابا كاملا بينا فيه أن المقابلة ليست بين الفكرين بل بين المؤسستين المتكلمتين باسميهما. أما الفكران عندما يكونان فكرين فهما شيء واحد يعالج معضلات الوجود في عمومها أو في تعيناتها الأربعة: الذوقي الجمالي والخلقي المالي والنظري العلمي والعملي السياسي. وتجتمع هذه المقابلات في مقابلة أخيرة ورئيسية هي المقابلة بين روحانية الشرق ومادية الغرب المزعومتين. يتصور البعض أن الإدمان على المراسم الدينية في النفاق العامي يمثل روحانية يعتد بها. لم يدرك مفكرونا التقليديون بعد أن القيم الروحية ليست قيما من الدرجة الأولى بل هي قيم قيم مثلها مثل القيم الخلقية التي هي قيم التعامل بالقيم المادية. القيم الروحية هي قيم التعامل بالقيم الذوقية. ومجتماتنا فقدت كل حس وجودي ومن ثم فهي لا ذوق لها. لا تحركها مدام. لذلك قلنا إن النقد الهامشي هو الذي ينبغي أن يصبح الأصل: النقد الذوقي والنقد التحليلي بالمعاني التي ذكرنا هما المطلوب في لحظتنا المصيرية الراهنة.
الفصل الثالث وضعية الحضارة العربية التاريخية: التحدي الفرصة
ما يعاني منه الفكر العربي الحالي ليس إذن إلا العدمية المطلقة التي تتمثل في العجز عن الفعل النظري والعملي ومن ثم انحصاره في الحديث عن الاستراتيجيات الخاوية التي لا تقبل التحقيق. فكرنا صار يتوبيا مرتين بمقتضى وهم القطيعتين: قطيعة الأصلاني مع الغرب بتماه مطلق معه وقطيعة العلماني مع الذات بتماه مطلق معها. ومن ثم فالأمر يتعلق بتحديد مفهوم الفعل من حيث هو استراتيجية تفاعل في مجال دولي بالذات لما رأينا من محددات إيجابية ومحددات سلبية للظرفية العربية الحالية. فالفعل الإنساني سواء كان مع الغير أو مع الذات تفاعل بالجوهر. وهو لا يقع مباشرة وبصورة شاملة بل هو يقتضي تصريف ضروب الطاقة التي تتقوم بها الذات البشرية وتتحدد بها صلاتها بذاتها وبالذوات الأخرى في أحياز وجودها لتحولها إلى مجالات تنقل الطاقة فتحقق التفاعل. والطاقات المقومة التي تتفاعل بها الذات هي القيم الخمس. أما الأحياز التي تمثل الوسائط الناقلة فهي: 1- الزمان 2- والمكان 3- والسلّم الاجتماعي 4- والدورة(22) الاجتماعية الخاصة ( أمة بعينها ) 5- والدورة الاجتماعية العامة(23) ( التي تشمل كل البشرية ). وهذه الأحياز مواد تشكيلية ناقلة يصورها التنظيم الحاصل بالتدريج في التاريخ فيخط فيها أخاديد لنقل القيم وتبادلها بمفعول التفاعل بين الذوات تشكيلا للزمان والمكان والسلم والدورة الخاصة والدورة العامة. وهنا أيضا نجدنا أمام مدخلين: الأول هو تحديد الظرفية التاريخية التي آل إليها وضع الأمة العربية في صراعها الوجودي ذي الطبيعة الكونية والثاني هو تحديد طبيعة الفعل أو الاستراتيجية الإيجابية للتحرر من رد الفعل والاستراتيجية السلبية.
المدخل الأول: مقومات الظرفية التاريخية العربية فما هي لحظتنا الراهنة التي ينبغي أن تحكم فكرنا في قيامه التاريخي الرمزي بحكم كونها تحكم قيامه التاريخي الواقعي¿ فهي لحظة المجال الواحد للعمل التاريخي الكوني ببعديه الرمزي والفعلي وبجهتيه الوجوديتين القوية (= ما هو بالقوة وقابل للحصول) والفعلية (= ما هو بالفعل وحاصل حقا). إنها لحظة مجال العولمة التي تأسست رمزيا بفضل الأنساق الفكرية الدينية ( التي تقدمت على الفلسفة في الدعوة للوحدة البشرية ) والفلسفية التي تشمل المعمورة بالقوة منذ أن وصلت البشرية إلى نظرة أساسها عقيدة الوحدة الروحية التاريخية ( الفكر الديني الإسلامي الذي خلص الإنسانية من نسبية الوحي والوجدان العبرية في الشرق الأدنى: الذي يقدم القوى الخلقية ومن ثم صراع القيم الروحية ) والوحدة العقلية الطبيعية ( الفكر الفلسفي اليوناني الذي خلص البشرية من نظرية نسبية العقل والفرقان السوفسطاية في الغرب الأدنى: الذي يقدم القوى الطبيعية ومن ثم صراع القيم المادية ) وقد حصل ذلك في الحضارات القديمة التي تكونت في الشرق الأدنى ( العرب: أدنى ماض روحي فاعل ) والغرب الأدنى ( اليونان: أدنى ماض عقلي فاعل ) بوصف الأصل هو غاية الذكر التاريخي المؤثر في التاريخ البشري الحالي. وهي تتحقق الآن ماديا خارج هذه الحضارات بل وضدها منذ أن أصبح الصراعان يشملان المعمورة بالفعل بسبب انضمام الشرق الأقصى ( الصين: أقصى ماض يقبل ) والغرب الأقصى إليهما في تحديد مواصفات العولمة المعاصرة التي تختلف اختلافا جذريا عن العولمة ذات القيم الإنسانية في الشرق والغرب الأدنيين ( أمريكا: أقصى مستقبل يمضي ) بوصف الفرع هو بداية التذكر التاريخي المؤثر في التاريخ البشري الحالي. وقد تبين الآن أن ظرفيتنا شبه قدر تاريخي جعل الشعب العربي خاصة والأمة الإسلامية عامة في وضع حدد منزلتنا الروحية ودورنا الكوني تحديدا ليس منه مفر في مستوى التحديد المنتسب إلى الحقائق والأحداث وفي مستوى التحديد المنتسب إلى الرموز والمعاني. ولهذا التحديد بنسبتيه ضربان من أشكال الظهور. فلتجليه السلبي ثلاثة تعينات: 1- أولها حرب إسرائيل التي صار الغرب يعتبرها أصل روحانيته علينا حربها التي كسيت باللبوس الديني ( بعث الوطن التوراتي المزعوم ), 2- وثانيها حرب أمريكا التي صارت غاية قوة الغرب المادية علينا حربها التي كسيت باللبوس الفلسفي( تعميم الحضارة الديموقراطية المزعوم ), 3- وثالثها التطابق بين الحربين تطابقا تاما نقل فعل التأثير الذي لأصحاب الحرب الأولى في إرادة أصحاب الحرب الثانية من التحريك الخارجي ( اللوبيات ) إلى التحريك الباطني ( عقيدة المسيحية المتصهينة ): وتلك كانت ولا تزال وسيلة بني إسرائيل في تحديد موقعهم من التاريخ الكوني من خلال الاستحواذ على القرار في البلد الذي بيده القرار ومنطلق نكباتهم جميعا من أول شتاتهم إلى الآن. لذلك فإن العلاقة بين الحربين لم تعد أمرا يقبل التخفي ولا التنكر. وذلك في الاتجاهين. فقد بات صاحب القرار الأمريكي يبدو أكثر تحمسا لغايات أصحاب الحرب الأولى: تحقيق إسرائيل الكبرى صار عندهم مطلبا روحيا ذاتيا. وبات أصحاب القرار الإسرائيلي أكثر تحمسا لغايات أصحاب الحرب الثانية: ادماج الشرق العربي في المنظومة الأمريكية صار عندهم مطلبا ماديا ذاتيا. على الأقل في مستوى القيادات المؤثرة. وفي الحقيقة فإن الغايتين لا تختلفان إلا عند من لا يدرك سر الترابط بين المفهومين. فاسرائيل الكبرى مستحيلة ماديا لعلة ديموغرافية. لذلك فتحقيقها الوحيد لا يكون إلا بالشكل الذي تحقق سلطان النخب الصهيونية في الغرب نفسه: جعل العرب تحت السلطان الخفي للصهيونية مثلهم مثل غيرهم في الغرب. وهذا التحقيق يعبر عن نجاحات لا ينكرها إلا معاند أو جاهل نجاحات حققت السيطرة في المجالات التالية التي هي مراكز القرار الرئيسية في العمران البشري بلغة عبد الرحمن بن خلدون: القرار في مجال السلطة الذوقية ( الفنون ) والقرار في مجال السلطة الخلقية ( نماذج الحياة ) والقرار في مجال السلطة المعرفية ( النظريات العلمية والإنساني منها خاصة ) والقرار في مجال السلطة السياسية ( وهذا أقلها حاجة إلى توضيح أو تدليل ) والقرار في مجال السلطة الوجودية (الأديان والفلسفات الغربية التي هي كلها ردود فعل عليها منذ الافلاطونية الهلنستية المحدثة إلى الأفلاطونية الجرمانية المحدثة وتجاوزاتها المزعومة ). ذلك هو مدلول إدماج الشرق العربي في المنظومة الأمريكية أعني في المنظومة التي هي بعد تحت السلطان الصهيوني في هذه المجالات جميعا. وبه يمكن أن نفهم الترابط بين المطلبين. فأمريكا ( رغم الزعم بأنها دولة لا ملة لها ) صارت ميالة للبوس الديني بشعار الحرية الدينية بقصد حق التبشير الديني ودين الحرية الغربية التي تعتبر نفسها حاميها الوحيد في العالم. واسرائيل ( رغم الزعم بأنها دولة ملية ) صارت ميالة للبوس الفلسفي باسم الحرية السياسية بقصد حق التبشير العلماني ودين الديموقراطية الغربية التي تعتبر نفسها ممثلها الوحيد في الشرق العربي. بل إن اللبوسين قد اتحدا في الوجه السلبي منهما, لأن سلطان الهمينتين بات مرهونا بما يقدم على أنه مسعى لتمدين المسلمين عامة والعرب خاصة تمدينا ديموقراطيا يلغي حبة الرمل الوحيدة التي ما زالت تعطل عجلتهما في بلع العالم. من هنا قلنا إن علاقتنا مع هذا التوحد بين الحربين علاقة مضاعفة ومتقابلة الأهداف في الظاهر. فهي علاقة مع حقائقها الباطنة التي يرفضها الجميع بمن فيهم جل مواطني الغرب ( الهمينة الاسرائيلة والأمريكية على العالم العربي لاستكمال الهيمنة على العالم ). وذلك هو مركز الثقل في حربنا الرمزية بكشف حقائق العدو الباطنية التي هي نقيض رموزه. وهي علاقة مع رموزها الظاهرة التي نسعى إليها نحن بأنفسنا ( تحرير بقية العالم ومنهم العرب خاصة مما يجعلهم حبة الرمل التي تعطل الكونية الحضارية الغربية في بعديها الروحي أو الحرية الدينية والمدني أو الديموقراطية): وذلك هو مركز الثقل في حربنا الفعلية للتحرر من رموزنا البالية التي تساعد العدو في حربه علينا والتي يعد التشبث بها مساعدة للعدو للقضاء على ما ترمز إليه لكيلا لا يبقى منه إلا قشور الرموز .
الأصل هو الوضعية الإيجابية يمكن أن نعتبر هذه الوضعية السلبية التي وصفنا ظرفا تاريخيا كونيا خارجيا يضع العرب خاصة والمسلمين عامة في موقع يحدد منزلتهم من خارج وبإضافة إلى المحدد فيحاول حصر دروهم التاريخي الكوني في ما يستسلبه منهم. لكن هذا التحديد ليس هو الأصل بل هو نتيجة حتمية لتحديد إيجابي متقدم عليه ينتج عن كوننا حيث نحن جغرافيا وتاريخيا وبحسب تفاعل البعدين في الاتجاهين من وحدة الكل منبعا لها جميعا: 1 - فالجغرافيا, 2- والتاريخ, 3- وأثر الجغرافيا في التاريخ أو الثروة المادية التي في أرضنا, 4- وأثر التاريخ في الجغرافيا أو الثروة الروحية التي في أرضنا, 5- كلها ناتجة عن الأصل الواحد للكل كما حددته الرسالة الخاتمة شهادة على العالمين ومنها المنزلة التاريخية التي لحضارتنا في الحضارة الكونية الحالية. لذلك فإنه ليس من المصادفة أن يعدنا كلا العدوين بكلا اللبوسين الديني والفلسفي من يحتاجان إلى التعريف الذاتي بالإضافة إليه والتوحد ضده باعتباره العائق الحائل دون غاياتهما. لذلك فإن لهذه الأبعاد الخمسة الدور الموجب الأول في تحديد طبيعة منزلتنا التي هي لنا بذاتنا وليست إضافية. ومن ثم فلا يمكن أن نقلب العلاقة فنقدم البعد السلبي على البعد الإيجابي ونتصرف وكأنه هو الأصل معتبرين رد الفعل على هذين العدوين الإضافيين لمنزلتنا ودورنا رسالتنا الأساسية. هم يعتبروننا العدو المطلق لأن وجودنا معيق لعدوانهم. لكننا نرفض أن يكون لنا أعداء مطلقين للتمييز بين القيادات والشعوب التي هي في الأغلب ضحايا مثلنا. وإذن فالمعركة معهما لا تستثني تبادل الفوائد بيننا وبينهم خلال الصراع. ينبغي ألا ننسى أن شبه القدر الذي أشرنا إليه قد شاء أن يكون هذا اللقاء مع أمريكا وإسرائيل تحد محفز وفرصة تاريخية يمكنانا من إدراك ما ينقصنا ومن تداركه. فالعدوان بهذا المعنى ندان لنا وإن بالسلب إذ هما بدورهما يوجدان في نفس الظرف. إنهما يعتبراننا عقبة في امتداد سلطانهما وإطلاقه( وذلك هو السلب ). ونحن بالعكس نعتبرهما تحدد للنهوض فرصة للتمكن من شروط التحرر الذاتي وتحرير البشرية ( وذلك هو الايجاب ): نريد أن نأخذ أفضل ما عندهما طوعا أو كرها بحيث إن المطاولة في الصدام المشروطة بتبريده إلى أقصى حد يعد ربحا للحرب ببعديها الحقيقي والرمزي. والمغزى هو ألا نقع في نفس الخطأ الذي حدث عندما اخترنا في القرن الماضي الاقتصار على رد الفعل والنظر القريب فملنا إلى الصف الخاسر في الحرب الباردة التي ما زلنا نعاني من ذيليها السلبيين المضاعفين في الداخل والخارج بعد سقوط الاتحاد السوفياتي. فمشاكل العالم الاسلامي في التاريخ المقبل لن يكون مصدرها أمريكا التي هي في منزلة الاستعداد الدفاعي ضد العملاقين المقبلين بل مصدرهما سيكون هذين العملاقين بوصفهما المحيطين بالعالم الاسلامي مباشرة: العملاق الاوروبي ( بفرعيه: الوحدة الاوروبية والوحدة الصقلبية ) والعملاق الآسيوي ( بفرعيه: الصيني والهندي ). ولن ينجي العالم الاسلامي من أجواره المباشرين والعالم العربي من أعدائه من بين المسلمين المحيطين به إلا التعلم من ممن يوجد الآن في وضع الاستعداد الدفاعي وانتهاز كل الأحلاف الممكنة للتخلص من الكماشتين المحيطتين به من خلال جعل العدو الحالي يتصوره قد اندرج في لعبته.
معوقات التعامل مع هذه المعادلة المعقدة من أهم المعوقات الحائلة دوننا والاندرج في هذه المعادلة للتعامل الصحيح معها اذيال الحرب الباردة التي جعلتنا أعداء محتملين لهذه الأقطاب الثلاثة المضاعفة: أوروبا بفرعيها وآسيا بفرعيها والعدوين المباشرين أعني أمريكا وإسرائيل. وتقبل هذه الأذيال التصنيف إلى نوعين كلاهما مضاعف. فالذيل المضاعفة الأولى هي الإرهاب أداة للفعل السياسي الخارجي وله وجهان. فوجهه الأول نتج عن توظيف ميثولوجيا الماضي الدينية ( ميثولوجيا الحروب الصليبية لكأن الغرب واحد ولا يزال مسيحيا ) في مشروعات إرهابية استعملتها أمريكا للحرب على الاتحاد السوفياتي: ومعينها الأنظمة الدينية العربية التقليدية. ووجهه الثاني نتج عن توظيف يتوبيا المستقبل الفلسفية ( ميثولوجيا الثورة العمالية لكأن نظام العمل لا يزال معتمدا على القوى العاملة بالمعنى الماركسي للكلمة ) في مشروعات إرهابية استعملها الاتحاد السوفياتي للحرب على أمريكا: ومعينها الأنظمة العربية القومية. أما الذيل الثانية فهي الشمولية أداة للفعل السياسي الداخلي وله كذلك وجهان. فوجهه الأول نتج عن إحياء ببغائي للماضي الإسلامي في الظاهر والجاهلي في الباطن لكونه معتمدا على تحالف بين سلطان روحي تمثله قيادات الفكر الديني التقليدية وسلطان قبلي تمثله الأسر الحاكمة أراد أن يستعمل قيادات المعارضة الإسلامية في بلاد العرب التي اختارت النهج التحديثي قريبا كان هذا النهج من زعيمة الرأسمالية أو من زعيمة الماركسية. أما وجهه الثاني فنتج عن استنبات ببغائي للحاضر الغربي في الظاهر لكونه معتمدا على تحالف بين سلطان روحي تمثله قيادات الفكر العلمانية التقليدية وسلكان عسكري تثمله الأحزاب الحاكمة أراد أن يستعمل قيادات المعارضة اليساروية في بلاد العرب التي اختارت النهج التأصيلي قريبا كان هذا النهد من زعيمة الرأسمالية أو من زعيمة الماركسية. ولعل التناقض بين وجهي الذيل الأولى ووجهي الذيل الثانية ليس إلا أمرا سطحيا لأن العمق كان واحدا رغم أن حدثين لاحقين قد خلطا الأوراق إلى حد أزال المعالم التي نبينها في هذه الفقرة مباشرة: 1- الانفصال بين الأنظمة الدينية التقليدية وأداتها لتقويض الأنظمة القومية والانفصال بين الأنظمة القومية وأداتها لتقويض الأنظمة الدينية, 2- استفحال تأثير تقاليد الفعل الشيعي على الفعل السني في المجال السياسي واستفحال التوجه الطائفي في فكر تياري السنة الأشعري والحنبلي. فالإرهاب الديني الذي يحاول الآن المزايدة على الصحوة ويكاد يقضي عليها بابتلاعها لم يكن أداة أمريكا ضد الاتحاد السوفيتي فحسب بل كان كذلك أداة الأنظمة الدينية التقليدية ضد الأنظمة العربية القومية. لذلك فإنه لم يكن من الصدقة أن كان أول حزب ديني يصل إلى الحكم في البلاد العربية مجاورا لمصر واعتمد في بداياته على مساعدة واضحة ممن صار يقود هذا التوجه لإفساد الصحوة الإسلامية: السودان ودور بن لادن في بدايات حكم الجبهة. كما أن الإرهاب العلماني الذي يحاول المزايدة على النهضة ويكاد يقضي عليها بابتلاعها لم يكن فقد أداة الاتحاد السوفيتي ضد أمريكا بل كان كذلك أداة الأنظمة العربية القومية ضد الأنظمة الدينية التقليدية: فلم يكن محض صدفة أن كان أول حزب شيوعي يحكم في البلاد العربية مجاورا للسعودية. ولم يحتج لمن يساعده على التوجه لإفساد النهضة العربية إذ هي فسدت بذاتها.
المدخل الثاني: الاستراتيجية الإيجابية المخلصة من رد الفعل ويتمثل جوهر استراتيجية الهيمنة في تهديم التواصل في اللأحياز التي يتحدد بها وجود المستهدفين لفرض التفاصل بينهم إلغاء لعوامل الوحدة: 1- أنظمة تواصل زمانهم 2- وأنظمة تواصل مكانهم 3- وأنظمة تواصل سلمهم 4- وأنظمة دورتهم الخاصة ( تفاعل الأنظمة السابقة ) 5- وأنظمة تواصل دورتهم العامة ( تفاعل الأنظمة السابقة مع المكان الكلي والزمان الكلي والسلم الكلي ). ومن ثم فهي نقض لاستراتيجية القيام الموجب الذي يسعى إلى تحقيق التواصل في هذه الأحياز لتحقيق التواصل المحرر من التفاصل المكك لعرى وحدة الأمة. لذلك فالاستراتيجية بصورة عامة إيجابية كانت ( التحرر والوصل) أو سلبية ( الهيمنة والفصل) تعتمد على تنظيم الزمان ( ولنسمه بالاستراتيجية التاريخية chrono-strategy )(24) وتنظيم المكان ( ولنسمه بالاستراتيجية الجغرافيةspatio-strategy)(25) وتنظيم السلّم ( ولنسمه بالاستراتيجية الرتبيةHierarchal-strategy )(26) وتنظيم الدورة الخاصة ( ولنسمه بالاستراتيجية الاجتماعيةsocial-strategy )(27) وتنظيم الدورة العامة( ولنسمه باستراتيجية الوجود ontological strategy التي يمكن أن تكون بصيغة أسطورية أو أدبية أو دينية محرفة أو فلسفية أو استرتيجية شاملة لهذه الابعاد جميعا كما هو شأن الاستراتيجية الوجود الإسلامية ممثلة بالقرآن الكريم)(28) . ويكون التنظيم الموجب والسالب للأحياز من اجل الفعل في الناس بتصريف طاقة أنواع القيم الخمس من خلال توظيفها إيجابا لتحقيق الوصل أو سلبا لتحقيق الفصل. ف: 1- "قيم الذوق- الحياة", 2- و"قيم اللمس- القدرة", 3- و"قيم البصر- العلم", 4- و"قيم الشم- الإرادة", 5- و"قيم السمع- الوجود" ( والوجود هو عين الذات عندما يكون الأمر متعلقا بالذات الالهية وغيرها عندما يكون الأمر متعلقا بالإنسان)(29) يتم انتاجها وحفظها وتبادلها واستهلاكها ورعايتها في العمران البشري بشكليه المتعين والكوني في توالي تعيناته التي هي عين التاريخ البشري. وبهذا يكون فعل العقل الإنساني إيجابا وسلبا في زمن السلم فعلا خاضعا لقانونين: الأول هو قانون الفعل بكميات أقدارها من جنس أقدار التفاضل والتكامل(30) في رشح القوة التي تتراكم فتستعمل في زمن الحرب أدوات مكثفة للصدمة الرمزية في الحرب النفسية التي تستهدف هزيمة العدو الرمزية والروحية ( الحياة والإرادة ), والثاني هو قانون التراتب بين فاعلية القيم والأحياز(31) تراتبا تحدده متغيرات يمكن أن نربطها بظاهرة أساسية هي طبيعة المبدإ الموحد الأعلى في الظاهرة المدروسة(32) . وفي المستوى المادي للحرب القتالية التي تستهدف هزيمة العدو الفيزيائية والمادية ( القدرة والوجود ). وأداة الأدوات في هذا الاستعمال هو القيمة الوسطى أعني قيمة العلم(33) . ولما كان الأمر متعلقا باستراتيجية الفعل العقلي في الظرفية العربية الإسلامية التي هي دولية منذ البدء فإن البحث لن يتطرق إلى الوحدة الدنيا المطلقة التي هي في نفس الوقت الوحدة العليا المطلقة في كل الخطط الاسترتيجية أعني الذات الأنسانية بل هو سيقتصر على ما يتوسط بين الأدنى والأعلى المطلقين ( رغم أنها لا يمكن أن تغيب عن البال إذ كل الآليات المؤثرة منها تنبع وإليها تعود) فيهتم: 1- بوحدات التنظيم الدنيا للأفراد وهي الوحدات الدنيا في الدول وتتخلق حول القيم ( مثل الأسر بخصوص قيم الذوق أو قيم الحياة ومثل المؤسسات الاقتصادية بخصوص القيم المادية أو قيم القدرة أو مثل الجمعيات العلمية بخصوص قيم المعرفة أو قيم العلم ومثل الأحزاب بخصوص القيم العملية أو قيم الإرادة وأخيرا مثل الملل الدينية بخصوص قيم الوجدان أو القيم الوجودية )(34) , 2- وبالدول من حيث وحدات دنيا للأنواع التي أحصينا في بحثنا, 3- وبالأنواع من حيث هي وحدات دنيا للأجناس التي أشرنا إليها, 4- وبالأجناس من حيث هي وحدات دنيا للأسرتين اللتين حددنا 5- وبالأسر من حيث هي وحدات دنيا للبشرية التي هي الوحدة القصوى. إن أغلب الظاهرات الطبيعية والإحيائية والرمزية والاجتماعية والتعالي عليها جميعا (ونذكرها بحسب تضايق الماصدق من الأول إلى الرابع دون حسبان الخامس الذي هو حصيلتها وأصلها ومن ثم فهو أوسع وأضيق في نفس الوقت لكونه الأول والأخير في الترتيب ) تجمع بينها خاصية تصل قانون العلاقات الداخلية بين مقومات الكيان العين في ذات الكيان العين بقانون العلاقات الخارجية بين الكيانات الأعيان في ذات الكيان الأسمى التي تنتسب إليه. وتلك هي العلة في كون كل فعل هو في الحقيقة تفاعل مع غيره بما يقبل التأثير والتأثر فيهما بحسب القيم والأحياز ولكل منهما مستويان الواعي وهو خاص بالإنسان على حد علمنا الحالي واللاواعي وهو لا يخص الإنسان بل يعمه مع غيره. والنوع الثاني هو المحدد الأساسي في كل الأحداث التاريخية لكون سلطاننا عليها قليل إذ إن ما فيها من المتولدات عن الأفعال المقصودة أكثر تأثير من الأفعال المقصودة. ويمكن أن نمثل لخاصية العلاقة بين الداخلي ( علاقة المقومات الذاتية فيما بينها ) والخارجي ( علاقة صاحب المقومات بما حوله مما يتبادل معه التاثير والتأثر وبذاته ) بالعلاقة بين القانون الكيمياوي والقانون الفيزيائي في تعين العلاقة المادي أو بين القانون الصرفي والقانون النحوي في تعين العلاقة الرمزي. فالمثال الأول يبين بعده الكيمياوي علاقة مقومات الكيان الطبيعي فيما بينها فيه وبعلاقاته مع غيره بحسب ما ينجر عن علاقة مقوماته من استعدادات يتصف بها تجعله قابلا لعلاقات الفعل في غيره والانفعال به سواء كان من نوعه أو من الأنواع الأخرى التي يتألف منها الوجود المادي للطبيعة. ويبين بعده الفيزيائي نفس الأمر ولكن في الاتجاه المقابل. فإذا اعتبرنا العالم ككل نسقا واحدا كانت القوانين الفيز يائية متقدمة الدور. وإذا اقتصرنا على الأنساق الدنيا دون الكلام في النسق العام كان التقديم للقوانين الكيماوية: إذ هي منبع الفعل والانفعال. الفاعلية الكيمياوية من داخل العين إلى خارجا والفاعلية الفيزيائية من خارج العين إلى داخلها عند الاقتصار على الأنساق الجزئية والعكس إذا تحدثنا عن العالم ككل. ومن جنسها المثال الثاني. فالعلاقة بين الفاعلية الصرفية والفاعلية النحوية في الظاهرات اللسانية لها نفس المنطق في الاتجاهين مع نفس الملاحظات بحسب وضعها في كل الأنظمة الرمزية أوأخذها أنساقا متفرقة. وكذلك الشان بالنسبة إلى الظاهرات الحية. والظاهرات الاجتماعية. أما ظاهرة التعالي على هذه الأنظمة الأربعة فهي علة وجود الفلسفة والدين وهي الفرقان أو المبدأ الفلسفي الموضوعي والذاتي لوحدة الوجود النسقية والوجدان أو المبدأ الديني الموضوعي والذاتي لوحدة الوجود النسقية: تصور أصل العالم متعاليا عليه هو أصل القوانين التي نحدد لاحقا. لما كانت معادلة الوحدة الدنيا(35) التي نهتم بها هنا هي الدولة وحدة عنصرية للمعمورة بات من الواجب أن يكون منطق الفعل ذهابا من وحداتها الدنيا التي وصفنا بحسب التفاعل القيمي إلى وحداتها القصوى أعني الاسرتين في إطار الإنسانية في وحدتها الراهنة على شكل العولمة. وبين أن المعادلة الداخلية لكل قطب بوصفه وحدة التحليل الاستراتيجي في مفهوم الهيمنة سواء كانت تعارفية أو تناكرية تنطبق على ما قبلها من المتبوعين أعني الأسرتين والجنسين وما بعدها من التوابع أعني الأنواع والضروب فيكون القطب بذلك قلب المعادلة الكونية في لحظة العولمة. والقوانين التي نبحث عنها لنحلل بها كيفية الفعل بالطاقات القيمية في الأحياز الناقلة أو الوسائط الواصلة في التعارف والفاصلة في التناكر هي القوانين التالية: القانون الطبيعي والقانون الخلقي الخالصان وقانون أثر الأول في الثاني وقانون الثاني في الأول وأصل القوانين جميعا. فإذا كان القطب هنا دولة معينة فإن معادلته التي تتعين فيها آثار القوانين المشار إليها هي التنظيمات الفئوية الخمسة التالية التي يمكن لنا أن نفعل في حربنا من خلال الفعل فيها وبها: 1- التنظيمات الفئوية حول قيم الذوق والحياة ( الفنون والرياضة خاصة ), 2- والتنظيمات الفئوية حول قيم القدرة ( المال والاقتصاد خاصة ), 3- والتنظميات الفئوية حول قيم العلم ( مراكز الإعلام والبحث العلمي خاصة), 4- والتنظيمات الفئوية حول قيم الإرادة ( الأحزاب والنقابات خاصة ), 5- والتنظيمات الفئوية حول قيم الوجود ( الحركات الدينية والفلسفية خاصة). وكل هذه التنظيمات صارت الآن ذات مستويين بالفعل بعد أن كانت دائما ذاتهما بالقوة اعني المستوى الداخلي الذي يخص الدولة ( وذلك هو المجتمع المدني الوطني الرمزي والمادي ) والمستوى الخارجي الذي يخص العالم ( المجتمع المدني الدولي الرمزي والمادي )(36) . وما يحدث في الدورة الخاصة بين الأحزاب السياسية بحسب مقتضيات المجتمع المدني الداخلي في الدولة الواحدة يمكن تحليله على النحو التالي: فحزب القانون الطبيعي يمثله القائلون بضرورة عدم تدخل الدولة حتى تعمل الآليات الطبيعية فتحر الحيوية الاجتماعية والاقتصادية ( قانون التنافس الحر أو البقاء للاصلح للبقاء ): الحزب الليبرالي. وحزب القانون الخلقي يمثله القائلون بضرورة تدخل الدولة لتحقيق المساواة وشروط الحياة الكريمة للجميع: الحزب الاشتراكي. ثم يسار الأول ويمثل حزب تأثير القانون الخلقي في القانون الطبيعي ويمين الثاني ويمثل حزب تأثير القانون الطبيعي في القانون الخلقي ثم الحزب الشامل المتعالي على الجميع أو الأمة ككل حيث تتصارع هذه القوانين الأربعة بحسب قانون خامس هو أصلها وغايتها ولا يقبل التحليل إليها رغم كونه متضمنا لها جميعا. ونفس الشيء يقال عن الدورة الكونية. فالعالم ككل يتكون فيه مجتمع مدني دولي إذ هو ينقسم إلى أحزاب عالمية بنفس هذه الصفات: حزب الليبراليين العالمي وحزب الاشتراكيين العالمي وحزب يسار الليبراليين العالمي وحزب يمين الاشتراكيين العالمي والرأي العام العالمي ككل وهو معارض كل هذه الأحزاب كما نراه في التصدي لعواقب العولمة البيئية والاجتماعية. وبذلك ينقسم العالم إلى أسرتين كبريين كل منهما ذات جنسين بحسب القوة والفعل في الهيمنة أو في التحرر. ولأن جنسي كل أسرة متصارعان على المنزلة التي لكل منهما في فعل التأثير بالتحرير أو بالهيمنة قراءة للمعادلة في الاتجاه الذاهب من الوضعية السوية ( التحرير ) إلى الوضعية المرضية ( الهيمنة ) كان الاتجاه من فعل التأثير بالتحرير إلى فعل التأثر به. وبذلك يبدأ المجال المغناطيسي للعلاقات الدولية يعمل في لحظة العولمة بمنطق واحد يشمل الظاهرات الطبيعية والحيوانية والرمزية والاجتماعية والنفسية فتكون العولمة ليست بنت الصدفة بل هي ثمرة ظهور لحظة تحقق وحدة العالمين: الطبيعي الحيوي اللذي يغلب عليهما القانون الصاعد من الطبيعة إلى الشريعة والنفسي الاجتماعي اللذين يغلب عليهما القانون النازل من الشريعة إلى الطبيعة. وبذلك يتطابق التأثيران الرمزي والمادي تساوقا زمانيا وتصاحبا فعليا: وذلك هو جوهر العولمة التي يبلغ فيها التقابل أقصى درجاته بين الأسرتين وبين جنسيهما فيصبح علم سيمياء الفعل وعلم فيزيائه متطابقين: لذلك فقد زال الفرق بين فاعلية التأثير الرمزي وفاعلية التأثير المادي إذ إن الأول صار بحامله ( وسائل الاتصال وثقافة الصورة ) ذا فاعلية مادية والثاني صار بدافعه ( وسائل الإشهار وثقافة الإغراء ) ذا فاعلية رمزية. واشتد الصراع بين أسرة الشرق والغرب الأدنيين وأسرة الشرق والغرب الاقصيين. ولما كان السعي إلى الهيمنة والسعي إلى التحرر منها أحدهما مشروطا بآخرهما بات وجود أحدهما مرهونا بوجود الثاني: فهما إذن قرينان لا ينفصلان وتطابقهما هو عين تحقيق الكونية إذ يتطابق بعدها المادي وبعدها الرمزي في المعمو رة. فمجال العالم المغناطيسي يصبح التعين الحالي للعناصر التي تتكون بينها معادلة استراتيجية التحرر والهيمنة الحالية عناصر العلاقات المتشابكة الناتجة عن صراعين ملازمين للعمران البشري هما: صراع القيم المادية ( من أجل الخيرات بمستوييها المادي والرمزي ) وصراع القيم الروحية ( من أجل المعاني بمستوييها المادي والرمزي ) بتقديم وتأخير يقتضيه تفاضل العناصر في درجة تعينها الوجودي ( منها ما صار بالفعل ومنها ما لا يزال بالقوة ) وتستعمله استراتيجية الخطاب للتمويه الدبلوماسي في العلاقات بين الأمم: لأن الدبلوماسية هي فنيات القنص بنصب الشبكات والحبائل من أجل تنويم الفريسة. ويمكن تحديد الاتجاهات العامة لهذه العلاقات إذا نحن أدركنا بنية تخلق المجال إلى مجموعات تتكون خلال تاريخه فتصبح محركة له بتفاعلاتها الذاتية والخارجية في المستويين الرمزي والمادي. وهذا التخلق يخضع لما يشبه التخلق العضوي في القسمة الخلوية المحكومة بقانون المتوالية الهندسية: واحد فإثنان فأربعة فثمانية فستة عشر فإثنان وثلاثون الخ. ويصح ذلك على كلتا الأسرتين الكبريين: الأسرة الساعية إلى الهيمنة التي يغلب عليها السعي للهيمنة والأسرة التي يغلب عليها السعي إلى التحرر منها ولكل واحدة منهما جنسان مضاعفان ( احدهما بالقوة والثاني بالفعل ) من المجموعات المعقدة التي يتألف كل منها من أربعة أصناف. الأسرة الكبرى الأولى وتتالف من الجنسين التاليين: أولا:- جنس الأصناف التي تسعى إلى الهيمنة لأنها تمثل الصف الأول من الفعل بالفعل في المواجهة الكونية ونوعاه بضربيهما: 1- الشرق الأقصى- ( الصين ) 2 وتوابعه الحضارية ( كل البوذيين من العالم الثالث ), 3- الغرب الأقصى ( الولايات المتحدة ) 4- وتوابعه الحضارية ( كل المسيحيين من غير الكاثوليك والأرتودكس من العالم الأول والثاني والثالث ) ثانيا:- جنس الأصناف التي تسعى إلى الهيمنة لأنها في الصف الثاني من الفعل بالقوة في المواجهة الدولية ونوعاه بضربي كل منهما: 1- اليابان 2- وتوابعه 3- استراليا, 4- وتوابعها. الأسرة الكبرى الثانية وتألف من الجنسين التاليين: ولنلخص فنقول تطبيقا على الوضع الراهن: أولا: - جنس الأصناف التي تسعى إلى التحرير بالفعل لأنها تمثل الصف الأول من الفعل بالفعل في المواجهة الكونية ونوعاه المضاعفان بضربي كل منهما: 1- الشرق الأدنى ( الوطن العربي ) 2- وتوابعه الحضارية ( كل المسلمين من العالم الثالث بما في ذلك بقايا الاتحاد السوفياتي المسلمة ) 3- والغرب الأدنى ( أوروبا الغربية) 4- وتوابعه الحضارية ( كل المسيحيين الكاثوليك والأرتودكس من العالم الثالث وبقايا الاتحاد السوفياتي المسيحية), ثانيا:- جنس الأصناف التي تسعى إلى التحرير بالقوة لأنها تمثل الصف الثاني من الفعل بالقوة في المواجهة الكونية ونوعاه بضربي كل منهما: 1- الهند 2- وتوابعها 3- والبرازيل 4- وتوابعه. فكيف تعمل القوانين التي أشرنا إليها ¿ التحرير والهمينة كلاهما يفعل في الداخل والخارج بحسب مستويات التصنيف الأسرية والجنسية والنوعية والعددية. وإذن فالجذب أو المحبة والدفع أو الكراهية يعملان داخل كلتا الأسرتين وخارجهما وداخل كل جنس من الأجناس الأربعة وخارجه وداخل كل نوع من الأنواع الستة عشرة وخارجه وداخل كل جماعة دنيا في النوع وخارجها وداخل كل شخص وخارجه في كل نوع من الأنواع. وبذلك تحصل الشبكة التي يتألف منها المجال المغناطيسي للقوتين الجاذبة والدافعة المحددتان لتاريخ المعمورة. وهذا هو القانون العام الذي يعد ظهور فاعليته الشاملة للمعمورة على مجالات التبادلات القيمية الخمسة جوهر ما نسميه بالعولمة. فهو شرط مشاركة الجميع في إنتاج القيم الجمالية أو قيم الذوق(37) والقيم المادية أو قيم القدرة والقيم المعرفية أو قيم الخبرة والقيم العملية أو قيم الإرادة وحفظها وتوزيعها واستهلاكها ورعايتها في مستواها المادي موضوع علم فيزياء العمران وقيم القيم التي هي موضع علم سيمياء العمران أعني القيم الوجودية أو قيم العقل والوجدان اذ يتطابقان كما يطابق القرآن الكريم بين الحكمة والكتاب في غير آية. و صيغة هذا التطابق العقلية ( الفكر الفلسفي ) والوجدانية ( الفكر الديني ) في مستواها الرمزي هي موضوع علم سيمياء العمران البشري والاجتماع الإنساني العام الذي يشمل البشرية. إنه الموضوع الذي أكدت عليه الدعوة المحمدية وحاول الفارابي صياغته تجاوزا لنظرية أرسطو عندما أضاف فوق مستوى الدولة مستوى البشرية واكتمل هذا التجاوز في نظرية ابن خلدون العمرانية. إن هذا القانون كما رأينا عام ومتخلل لكل أبعاد الحياة بحيث إن كل مجتمع يخضع له في العلاقات الداخلية بين فئاته وأحزابه الخ... خضوعه له في علاقاته الخارجية. لكن بحثنا سيقتصر على ما له علاقة مباشرة بالاستراتيجية التي نسعى إلى صياغتها معتبرين الوحدات الدنيا هي الأنواع والوحدات العليا هي الأجناس التي تتألف منها الأسرتان بوصف أحداهما يغلب عليها الوجه السوي أو وجه التحرير(الأسرة الثانية بجنسيها وأصنافها الثمانية ) وأخراهما يغلب عليها الوجه المرضي أو وجه الهيمنة ( الأسرة الأولى بجنسيها وأصنافها الثمانية).
الخاتمة هل يمكن للفكر الفلسفي العربي الإسلامي أن يستأنف دوره في الجماعة العلمية العالمية ¿ أم إن هموم الفكر العربي الإسلامي لن تصبح قابلة للصياغة الفلسفية التي تكون نافذة فعلية من نوافذ الأفق الكوني فلا يبقى مجرد دفاع عن الخصوصية العربية الإسلامية عامة أو الخصوصية المغربية بالمقابل مع الخصوصية المشرقية في إطار الخصوصية العربية الإسلامية إلا إذا تمكن من صياغة مقومات ظرفه التاريخي بوصفها جوهر قيامه الوجودي الذي يتعين في الحدث الواقعي والمعنى الرمزي لكل وجود حي يتعاصر فيه هذان البعدان¿ ذلك إن لأحداث الفكر العربي في علاقتها بظرفه الدولي دلالة فلسفية تبرز المحددات التي قد يكون عمد فهمها وتحليلها التحليل العلمي والفلسفي الواجب علة ما تتصف به هذه الحقبة من غلبة الطابع الظرفي على الطابع الفلسفي الذي لا يعالج الظرفيات إلا في صلتها بما يتعالى عليها من أمور بنيوية تهم مسائل الفكر الإنساني التي توسع أفق الإنسانية. تلك هي العلة التي من اجلها قدمنا البحث في بنية الفكر العالمي وبنية اللحظة التاريخية لندرك طبيعة علاقة الفكر النقدي العربي فيتبين بذلك أن مطلوب البحث ليس تقويم عمل مفكر عربي بعينه ولذاته اشتهر بالنقد بل هو محاولة فهم المرحلة الحالية التي يمر بها الفكر الفلسفي العربي الإسلامي من منظور مطلبين: استئناف الفكر الفلسفي العربي الإسلامي قدراته الابداعية واندراجه اندراجا فاعلا في الفكر الإنساني الراهن بحسب الأشكال والمضمامين التي يتقوم بها فعله المؤثر حقا في موضوعاته القابلة للحصر الدقيق كما سنرى. ولو لم يكن عمل المتفلسفين من بين المفكرين العرب معدودا بين العلامات البارزة في العقدين الأخيرين لما اعتبرناه مناسبة لدراسة حقبة مهمة من تدرج الفكر العربي الإسلامي الحالي نحو هاتين الغايتين ولما سألنا هذين السؤالين. ولما كان فكر الأمم لا يتقدم إلا بجدل المدارس المتحوارة والمتجاوزة بعضها بعضا فإن فضل كل مدرسة ليس هو في ما أنجزته إيجابا فسحب بل هو كذلك في ما أسهمت في ظهوره سلبا بوصفه ردودا عليها ومحاولات تجاوز لها.
الإحالات:
1) مثلما فعل جورج طرابيشي الذي يركز في نقده على شكليات البحث العلمي الخارجية كما يحدث عادة في تقويم الرسائل الجامعية أو طه عبد الرحمن الذي يركز على تفريعات منهجية ليست الخيار الوحيد الممكن. وكلا النقدين ينطلق إما من التشكيك في علم صاحب البحث المنقود أو من غمز أمانته العلمية. ولن نجادل الرجلين في ما ذهبا إليه لكون ما يعنينا هو جدوى مثل هذا العمل في رفع مستوى النقاش الفكري العربي والاستعداد للمشاركة في الجدل الفكري العالمي. مناقشة الرسائل الجامعية والتنابز بالألقاب لن يقدم ولن يؤخر في السعي إلى هذه الغاية. 2) ومنه فكر الأستاذ الجابري الذي يصفه صاحبه دائما بصفة الفكر النقدي كما يتبين من عناوين أهم أعماله مع تمييز لنوع النقد بصفة "ابستمولوجيا" دون تدقيق لعدم الفصل الواضح بين مفهوم الابستمى من حيث هي ظرفية معرفية ومفهوم الإبستمولوجيا من حيث هي نظرية في المعرفة عامة وفي المعرفة العلمية خاصة. 3) يقاس أثر الفكر بدوره في علاج القضايا التي تتداولها الجماعة العملية المنتسبة إلى الاختصاص ماضيا وحاضرا ومستقبلا ومن ثم بدوره في ترقية دور الرافد الحضاري الذي ثمثله ثقافته في تعاون الثقافات الإنسانية الكبرى في بناء الفكر الكوني المتدرج. 4) يبدو القول بأن مقومات الظرف غير ظرفية أمرا متناقضا. فكيف يكون جوهر الظرفي غير ظرفي¿ هذه مسألة عويصة على الفهم لذلك فلا بد من شرحها بالصرامة ال"مدرسية" الضرورية في كل علاج فلسفي جدي. إنها مشكلة ملازمة للفكر الفلسفي بمرحلتيه المضاعفتين: الأولى بطوريها القديم والوسيط والثانية بطورريها الحديث والمعاصر. ففي الفلسفة القديمة والوسيطة كان التمييز بين الجوهري والعرضي مستندا إلى المقابلة بين الصورة والمادة في النموذج التفسيري المستعار من الصناعة والفن وبين الماهية والوجود في مجال انطباقه على الموجودات المعلومة علما يقيس تأليف تصوراتها على تأليف الموجودات المصنوعة. فما تتألف منه الصورة التي يتضمنها الحد في التعريف يعد جوهريا وما تتألف منه المادة يعد عرضيا. فلو أخذنا مثل لعبة الشطرنج فإن حد القطع بحسب قواعد فعلها وانفعالها في اللعبة هو ماهياتها وهو صورتها وهو مقوماتها الجوهرية أما كونها من خشب أو من نحاس أو من ذهب وبالشكل الفلاني أو الشكل الفلتاني بحسب التقاليد الثقافية ( كأن يكون الملك متوجا بصليب في الشرنج الأوروبي أو متعمما عندنا ) فهي أمور عرضية تمثلها مادتها. ولما كان البحث الفلسفي يركز خاصة على الظاهرات الطبيعية فإن القضية كلها باتت تدور حول معايير الفصل بين المقوم وغير المقوم في المجالين الطبيعي والصناعي: إذ إن أرسطو انتبه في نقده للفلسفة الافلاطونية إلى أن الموجودات الطبيعية بخلاف الموجودات الصناعية ليست المقابلة فيها بين المادة والصورة بهذا الوضوح بمقتضى كون الصورة فيها تحتاج إلى مادة بعينها ولا يمكن أن تكون مادتها كما اتفق مثلما هو الشأن في الأمور الصناعية. وبذلك بات التمييز بين المقوم وغير المقوم مشكلة عويصة. أما في الفلسفة المعاصرة والحديثة فإن الأمر يعالج بالمقابلة بين البنيوي والظرفي في قيام الأشياء. ولعل السبب في هذه النقلة هو تركيز الاهتمام بأمر ثالث ليس هو صناعي ولا هو طبيعي بل هو تاريخي يتعلق بمآثر الإنسان الفكرية والحضارية: مثل اللغات والعلوم والمؤسسات السياسية. فما هو المقوم والعرضي في هذه الظاهرات¿ وفي هذه الحالة يمكن القول إن النسبة بين الفلسفة المعاصرة والفلسفة الحديثة أو بين الحداثة وما بعدها هي عينها العلاقة بين الفلسفة الأفلاطونية والفلسفة الارسطية: فمثلما انتبه ارسطو في نقده أفلاطون إلى أن العلاقة بين الصورة والمادة ليست علاقة تحكمية بحيث لا يكون للمادة فيها دور فتكون أي مادة اتفق انتبه الفكر مابعد الحداثة إلى أن العرضي له دور في البنيوي ( ولعل أهم بدايات هذا الانتباه حصل في التاريخ الطبيعي عندما بات النوع غير ثابت بمقتضى التطور أو صيرورة العرضي جوهريا في الانواع المتطورة). لذلك فإنه يمكن أن نقيس نفي أرسطو لعالم المثل المتعالي على عالم الطبيعة على نفي ما بعد الحداثة عالم البنى المتعالي على عالم الظرفيات. في الحالة الأولى حصل تنزيل وجودي لما بعد الطبيعة إلى الطبيعة وفي الحالة الثانية حصل تنزيل وجودي لما بعد التاريخ إلى التاريخ. فكان التحول الابستمولوجي ثمرة لهذين التنزيلين في المرحلتين بطوريهما. وما نريد أن نشير إليه في هذا التعليق هو أن المقابلة بين المثال والممثول وبين البنيوي والظرفي علتها نموذج التفسير عندما ننسى إنه نموذج تفسير مطلقين ما نشترطه فهي وما نستنبطه منه فنسحبه على الموضوع الذي نريد أن نفسره بالقياس إليه ظنا أن تأليف الموجود مواز بالضرورة لتأليف المعلوم فيقاس الأول على الثاني بدل العكس. وحتى نفهم ذلك لا بد أن نحدد طبيعة الفرق بين الموقفين المضاعفين: فقد انتقلنا من علاقة بين مقومات الذوات وأعراضها في الموقف القديم والوسيط إلى محددات العلاقات بين الثابت منها وغير الثابت أو المؤثر وغير المؤثر في كونها ما هي في الموقف الحديث والمعاصر. وفي قيس الوجودي على المعرفي بدل العكس. وذلك أمر طبيعي لأننا لا نستطيع البلوغ إلى ما نتفترضه وجوديا إلا بمرقاه ما نسميه معرفيا. ذلك أن الولوج إلى ما به تعلم الموجودات يمكن أن يكون من خلال تصورها مراكز أو بؤرا منها تنبع العلاقات بينها (الفلسفتان القديمة والوسيطة ) أو من خلال تصورها حصائل للتقاطع بين العلاقات بينها ( الفلسفة الحديثة والمعاصرة ). في الحالة الأولى نقدم الذوات على العلاقات التي تربط بينها وتلك هي فلسفة الجواهر والطبائع. وفي الحالة الثانية نعكس فنقدم العلاقات التي بين الذوات وتلك هي فلسفة القوانين والشرائع ( أي ما هو من وضع واضع ). والغريب أن جل المفكرين يزعمون الفردية والذاتية من مقومات العصرين الحديث والمعاصر رغم تنافي ذلك مع غلبة فلسفة العلاقات فيهما على فلسفة الجواهر. كما أن جلهم يقول بانعدام الفردية والذاتية في العصرين القديم والوسيط رغم تنافي ذلك مع غلبة فلسفة الجواهر فيهما على فلسفة العلاقات. لكن محل علاج هذه المسألة ليس هذا مقامه. فلنعد إلى موضوعنا. فمن البين أن كلا الموقفين الجوهراني والعلاقاني حدي ولا يعبر عن حقيقة موجودة في الأعيان بل هو احالة على تصور لا يقوم إلا في الأذهان. فلا يمكن أن نتصور العلاقات إلا إذا فرضناها بين حدود ما أيا كانت طبيعتها ( سواء كانت حدودا موضوعة أو حدودا واضعة أو كليهما). ولا يمكن أن نتصور الذوات إلا إذا تصورناها منبعا ومصبا لما بينها من علاقات أيا كانت طبيتها ( سواء كانت علاقات بنيوية أو ظرفية أو كليهما ). فيكون الأمران متضايفين باطلاق وغايتين في إطلاق احد الحدين. ومعنى ذلك أن الموقفين المضاعفين على صواب ومجانبان للصواب معا. والعلة هي اطلاق المقابلة بين الطبائع الضرورية ( كون الأشياء هي ما هي بالطبع وليست بالاختيار ) والشرائع الاختيارية ( كون الأشياء هي ما هي بالاختيار وليست بالطبع ). والمعلوم أن كلتا المسألتين ( الطبائع الضرورية والشرائع الاختيارية ) كانتا جوهر الجدل الفكري بين الكلام السني والفلسفة في حضارتنا. ولعل الأمر كان كذلك في الحضارات الاخرى إذا اعتبرنا استقراء هذه العلاقة في السنن العربية الاسلامية واللاتينية المسيحية بعد ذلك. فالتشكيك في اطلاق الضرورة الطبيعية ( اساس المسألة الأولى) هو أساس الصدام بين الأشعرية التي تعتبرها شرطية والفلسفة التي تطلقها. والتشكيك في اطلاق الحرية الإنسانية ( اساس المسألة الثانية) هو أصل الصدام بين الأشعرية التي تعتبرها شرطية والاعتزال الذي يطلقها. والمشكل ليس هنا بل في البحث عن مفهوم يكون غير الطبيعة وغير الشريعة أو له ما يجعله يشبه الأولى في الانتظام دون الضرورة ويشبه الثانية في المبادرة الحرة دون الفوضى: فيزول بذلك اطلاق التقابل بين الحدين في صيغتهما القديمة - الوسيطة ( الجوهر والعرض ) والحديثة - المعاصرة ( البنيوي والظرفي). ومن ثم فالمسألة كلها تعود إلى العلاقة بين النظام والفوضى العلاقة التي لا يمكن فهمها من دون تنسيب المقابلة بصيغتيها فلا يكون الثابت مطلقا ولا المتغير بل الثابت يتغير بعد حين والمتغير يثبت إلى حين. فما هي دلالات فهم هذه العلاقة هذا الفهم ¿ هل العلاقة في الحالتين مطلقة ام اضافية إلى غرض معين¿ ذلك هو المشكل الذي يجعلنا نعتبر الانتظام المطلق متعلقا بالقوانين إذا نظر إليها دون اعتبار الأحدات التي تقنن لها تلك القوانين ( قواعد لعبة الشطرنج أو نحو العربية مثلا ) وعدم الانتظام المطلق متعلقا بالأحداث الجارية إذا نظر إليها من دون اعتبار القوانين التي يمكن أن نستخرجها منها بالتجريد مع الأسلبة التي تلغي الشواذ لتحافظ على القواعد ( كل الأشواط التي لعبها الناس أو كل الكلام الذي قيل بحسب تلك القواعد). فإذا نظرنا إلى القواعد في وجودها المتعين وجدنا أنها تكاد لا توجد لكون الشواذ تنفيها (كل قواعد اللغة مثلا ) وإذا نظرنا إلى الأحداث في وجودها الباقي اكتشفنا أن فيها من الثوابت ما يجعلنا نتعرف عليها ونتذكرها: فلو لم يكن فيها انتظام لامتنع أن نتعرف عليها ونتذكرها فتكون في كل مرة مطلقة الجدة وغير ما كانت في المرة السابقة. لذلك فإن الموجود الفعلي ليس هو حد القواعد المجردة ولا هو حد الأحداث العينية بل شيء مختلف هو غيرهما. وليكن مثالنا من الصرف العربي: فنطق أي حرف عربي يختلف من قطر إلى قطر بل من شخص إلى شخص بل ومن مرة إلى مرة عند نفس الشخص ومع ذلك فنحن نفهم المقصود فنقوم الاثلغ مثلا ونفهم الطفل ونفهم من ينطق السين شينا والشين سينا الخ... وإذن فالمؤثر في عملية التواصل ليس القوانين ولا الأعيان بل القانون المتعين أو العين المنتظمة. وهذا الامر في اللغة هو المقومات الدالة من عين الدال وهذه المقومات ليست أمرا عينيا رغم كونها شرط عينية العين. وذلك هو قصدنا عند الكلام على مقومات الظرف ووصفها بكونها غير ظرفية. 5) قد يكون البنيوي ظرفيا بمدى أطول فلا يكون الفرق بين المقوم وغير المقوم إلا فرقا كميا. ومع ذلك فإن كل نظرية تتألف من الفصل بين مقومات يرد إليها لامتناهي الظاهرة المدروسة ومستنتجات منها هي أعراض ذلك اللامتناهي من احداث الظاهرة. وقد أشار ابن خلدون في دراسته التاريخية إلى ضربين من التاريخ: ما يطلق عليه اس المؤرخ أو المقومات التي يتحدد بها عصر من العصور بوصفها الارضية التي يجري عليها التاريخ الحدثي في سرعة زمانية ذات مدى اقصر ويصح هذا التمييز على كل علم بما في ذلك العلوم الطبيعية. فالثابت والمتغير كلاهما نسبي: الثابت أكثر ثباتا بالقياس إلى ما فوقه تغيرا وأقل ثباتا إلى ما دونه تغيرا والعكس بالعكس بالنسبة إلى المتغير. مثال ذلك أن التاريخ الطبيعي يبدو أمرا ثابتا بالقياس إلى التاريخ الحضاري. لكن التاريخ الطبيعي أكثر تغير من الظاهرات الكيمياوية وهذه أكثر تغير من الظاهرات الفيزيائية التي هي بدورها أكثر تغيرا من الظاهرات الفلكية. وبذلك فلا وجود للثبات المطلق ولا للتغير المتغير ومن فإن المقابلة ظرفي بنيوي ينبغي أن تفهم في هذه الحدود. 6) أما منطق هذه الأسئلة فهو بين: فالسؤال الأول والأخير يخصان علاقة الفكر العربي بلقائيه بالفكر الفلسفي اليوناني في السؤال الأول وبالفكر الأوروبي في السؤال الأخير. ويحيط هذان السؤالان بسؤالين يتعلقان بمدى حصول اللقائين في محاولة القراءة بدرجة التقت معهما في الظاهرة المقروءة. ولما كانت هذه الصلة مستندة إلى مفهوم الشكل المعرفي ومنها في حالة الجابري النقد والقراءة التي تسمى إبستمولوجية فأن التساؤل عن الشكل المعرفي هو موضوع السوالين الأوسطين . ويتضمن السؤال الأخير مجرد تشوف للبديل دون أن يكون تقديما حقيقيا لبديل ليس هنا محل عرضه فضلا عن كوننا لا نزعم امتلاكه. 7) German Philosophy since Kant, Royal Institute of Philosophy Supplement: 44 , edited by Anthony O'Hear, Cambridge U.K.1999 8) المرجع المحال إليه في مطلع البحث ص.413:It was Heidegger who, looking back at Humboldt, and informed by the Humboldtian tradition of linguistics, first recognized the paradigmatic character of hermeneutics as continued by Dilthey. At about the same time, Wittgenstein, in turn, discovered a new philosophical paradigm in Gottlob Frege's logical semantics. What later was called the 'linguistic turn' thus came about in a hermeneutic and an analytic version." 9) إشارة إلى مور ورسل. 10) أعني ثورة سوسير اللسانية ودورها النموذجي في العلوم الإنسانية. 11) والمعلوم أن الدين الإسلامي قد نفى الاصطفاء الأول بحجتين فلسفية وتاريخية. فأما الحجة الفلسفية فتستند إلى تحليل طبيعة الخطاب وبيان أن من شروط الرسالة أن تكون بلسان المخاطبين بها لذلك فلكل أمة رسول بلسانها وأما الحجة التاريخية فهي استعراض تاريخ الرسالات والنبوات وبيان زيف ادعاء الاصطفاء. والمعلوم كذلك أن آخر فلاسفة العرب قد نفى اسطورة الاصطفاء الفلسفي عندما بين أن الفلسفة ليست فكرا خاصا بأمة وإن كان ذات أشكال وتعينات. لكن جوهرها هو الحكمة المكتسبة من التجربة العلمية في النظر والخلقية في العمل. وهذا الفيلسوف هو ابن خلدون. وإذا كان ذلك لم يقل نظريا وبصورة صريحة إلا عنده فإنه مع ذلك موجود بصورة ضمنية عند كل فلاسفة الإسلام بحيث إن القول بكلية المعرفة سواء كان مصدرها نقليا أو عقليا يعد من المواقف العامة المشتركة في الحضارة الإسلامية بطيفيها الديني والفلسفي . 12) وهذا التعاكس من عجائب أشكال الفكر التاريخية: التجربة العملية تتذوت بعد التموضع والتجربة العلمية تتموضع بعد التذوت. فما العلة ياترى¿ 13) لعل أفضل ممثل لهذا الاجتماع ولأثر المنعرج اللساني كتاب جدامر الحقيقة والمنهج. 14) إشارة إلى برنتانو ومحاولة إحياء المدرسية لتدعيم الصحوة الكاثوليكية في ألمانيا في الطوماوية المحدثة. 15) إشارة إلى الوجوديات المؤمنة وحتى الملحدة لكونها جميعا تعبر عن حرارة التجربة الروحية التي تلامس أحوال المتصوفين. 16) ولا نستثني العلوم الشرعية. فهذه العلوم لم يقع تناولها إلا بصورة لم ترق حتى إلى مستوى الطرق التقليدية. وكل محاولات الفهم الحديث للتراث لا تخرج عن النهجين العقيمين التاليين. فالأول هو نهج التضخيم من دور السبق المنهجي عند من يتصور العلم الحديث مبنيا على جداول منطق الاستقراء أو دور السبق النقدي للفكر الفلسفي ومناهجه. وهذا النهج استنتاجات أصحابه مبالغ فيها خاصة عندما يحاولون جعلها معيار استثناء لما يظنونه دخيلا باسم الدفاع عما يعتبرونه أصيلا ( النشار). والثاني هو النهج الذي يزعم أصحابه تطبيق المناهج الحديثة على التراث كمناهج التأويل والأنثروبولوجيا وتاريخ الأديان الخ... من الأسماء الرنانة متصورين التعميمات الساذجة أو الوعود الغائمة من جنس عناوين العلوم الموعود باستعمالها كما في كتابات عركون كافيه لتسمى فكرا فضلا عن أن تسمى علما. ولست مجانبا الصواب إذا قلت إن علم القدامى بأدوات علومهم ما يزال أسمى من علم من يحاول تجاوزهم فضلا عن الدراية بعلم الأدوات الحديثة: حتى إنك تجد الواحد منهم يجهل المنطق والبلاغة والنحو والقراءات وعلوم القرآن المساعدة ثم يباشر التفسير. ولنضرب مثالا وحيدا لعله أكثرها دلالة: فالمعلوم أن علم التفسير عند المسلمين قد مر بخمس مراحل منهجية كلها مضاعفة بمعيار الأداة الغالبة أولاها مرحلة التفسير بالأثر والخبر من دون نقد ثم منقودا ( لتخليصه من الإسرائليات خاصة ) والثانية مرحلة التفسير بعلوم اللسان والبيان من دون نقد ثم منقودا ( لتخليصه من المذهبيات خاصة ) والثالثة بالعلوم الفلسفية من دون نقد ثم منقودا ( لتخليصه من الميتافيزيقيات خاصة ) ورابعها بعلوم التصوف من دون نقد ثم منقودا ( لتخليصه من الشطحات خاصة ) وآخرتها جمعت ذلك كله ببعدي كل مرحلة لذلك غلب عليها الجمع بين أصناف النقد الأربعة السابقة فصار التفسير تاريخيا لسانيا فلسفيا صوفيا جامعا بينها جمعا نقديا ومن ثم بنيويا إذ يعامل النص كوحدة متماسكة بنيته الجامعة هي التي تحدد معاني عناصره. والمرحلة الأولى يمثلها الطبري والاستدراكات عليه والثانية يمثلها الزمخشري والاستدراكات عليه والثالثة يمثلها ابن رشد والاستدراكات عليه والرابعة يمثلها ابن عربي والاستدراكات عليه والأخيرة يمثلها ابن تيمية الذي استدرك عليهم جميعا وما زلنا ننتظر من يستدرك عليه: ولو وجد هذا المستدرك لقلنا إن النقد العلمي الحديث بدأ ينشأ عندنا في مجال العلوم الشرعية. ذلك أنه لا يمكن أن يحصل الاستدراك عليه من دون التمكن من المناهج الحديثة حقا: أعني مناهج التأويل التاريخي ومناهج التفسير البنيوي وكلاهما نجد عنده إرهاصاته فضلا عن علمه في المنطق والتاريخ وعلوم القرآن المساعدة. فإذا كان مجرد الكلام في المحدثات دالا على حصولها فالجميع اليوم حديث أما إذا كان ذلك يقتضي علما حقيقيا بالأدوات فإن كل المحدثين ما يزالون دون أوائل القدامى فضلا أواخرهم ناهيك عن أن يكونوا مثل المحدثين من علماء الغرب الذين قفزوا بما نجد إرهاصاته عند ابن تيمية نظير قفزة علم الاجتماع عندهم بالقياس إلى إرهاصاته عند ابن خلدون. ولعل مثالا واحدا يكفي للحكم: من من أدعياء التأويل والتفسير الهرمينوطيقي الحديث له علم بالنص وتاريخه وبالعلوم الأدوات التقليدية والحديثة التي تخوله أكثر من الألقاب التي تنفخ البطن والأوداج فتخول الثرثرة والتخريف في لقاءات التقدمية واللجاج بسخيف الحجاج ¿ 17) كل ما يكتب في الإبستمولوجيا عربيا ثرثرة لا معنى لها. فليس يمكن لجامعات متخلفة في العلم أن تكون متقدمة في علم العلم. ولا استثني من هذا الحكم محاولات تاريخ العلوم العربية التي من جنس ما يقوم به معهد حلب أو ما واصله فريق الاستاذ رشدي راشد في باريس وغيره في الجامعات الغربية. لأن هذا التاريخ لا ينتظر منه غير بعض النتائج العلمية الشحيحة التي تصحح تاريخ العلم لعلتين: الأولى لدوافعه الدفاعية في الغالب (تصحيح تاريخ العلم في المرحلة العربية) ولكون التقاليد العلمية العربية التي كانت موجودة لم تتواصل ولم تتطور تطورا ذاتيا إلى عصرنا. فتاريخ العلم يمكن أن يكون مثمرا علميا إذا كانت التقاليد التي يؤرخ لها متصلة في الحاضر وكان ما فيها من إمكانات قابلا لفتح سبل جديدة في نفس العلم. وهو ما لا يمكن قوله على أي علم عربي: كل العلوم العربية بقيت في حضن النظريات الفلسفية العامة التي وضعها الفكر اليوناني القديم بل هي دونها بكثير بمقتضى ما أدى إليه الموقف الفلسفي العقيم الذي حاول أن يخلص هذا الفكر من كل ما رفضه ارسطو منه ظنا أن الفرضيات التي بنى عليها أرسطو أفضل من كل ما رفضه منها عند محاولات الترجيح التي تبدأ بها أعماله العلمية عادة وجهلا بأن تلك العمليات الترجيحية هي أهم ما في الفكر الفلسفي إذ هي منطلق المراجعة الممكنة. لذلك فسرعان ما توقفت محاولات التجاوز مباشرة بعد الصياغات المظنونة نهائية لعلوم ليس يمكن أن يوجد فيها قول فصل. ولم يكن الوقت كافيا لتثمر الثورات على هذه المواقف فضلا عن كون معارضاتها لم تكن للعلم بل للدفاع عن العقد. لذلك فإنه لم تفتح اتجاهات جديدة في البحث. ثم إن كل ما كان قابلا للفتح بفضلها قد تم استثماره في الفكر الغربي بين الوسيط والحديث وبات الاستئناف منها غير مجد. وهذا الحكم أقوله حتى نتخلص نهائيا من أسطورة العلوم العربية: العلوم ليست قابلة للنسبة إلى أي أمة بل هي كونية بالطبع, كان للعرب فيها دور عندما كانت لهم القدرة على تحقيق شروط البحث العلمي التي كانت في الأغلب من خارج نظام التعليم الرسمي الذي استحوذ عليه الفقهاء وشبه العلوم الدينية ( لذلك ذهب إبن خلدون إلى نفي جدوى علم الكلام بعد أن تحول إلى مجرد دفاع عن العقيدة بدلا من أن يكون طلبا للحقيقة). فالمجتمعات العربية الإسلامية لم تنتظم فيها مؤسسات البحث العلمي النسقي إلا في العلوم الشرعية ثم تجمدت وماتت بمجرد اطلاق نفي المحركين الوحيدين لكل علم: جدل المعاني بين الدين والفلسفة وجدل الحقائق بين العلوم. لذلك فإن العلوم فقد اقتصر البحث فيها على المحاولات الشخصية والعصامية وكانت مقصورة على التوظيفات المباشرة للسلطان مثل الطب والتنجيم وبعض الفنيات العسكرية. العلم لذاته لم يكن من تقاليد مجتمعاتنا. وهو لم يصبح بعد. ويكفي أن تنظر في ميزانيات البحث العلمي وتردي مستوى التدريس الجامعي والنشر العلمي في مجتمعاتنا. 18) فالأستاذ الجابري مثلا في تقسيمه الفلسفة بحسب التصور الوسيط ( النظر الذي تكلم فيه دون تحديد والعمل الذي خصص كتابين لفرعين منه هما السياسة والأخلاق ) لم يقصد علمي السياسة والأخلاق في نقده الموصوف بالإبستمولوجي بل بعض المضامين العقدية فيهما كليهما. لذلك كان نظره عاما ولا يقبل العلاج لا مضمونيا ولا شكليا. ومن ثم فالقصد هو محاولة أقرب إلى جنس تحليل الابستميات منه إلى المعرفة الابستمولوجية. وليس خافيا أن مثل هذا النقد لا علاقة له بمفهوم نقد الملكات أوالقدرات المعرفية بالمعنى الكنطي للكلمة. وإنما هو يأخذ السياسة والأخلاق في معنى عام لا يمكن أن تكون دلالة علاجه الفلسفية منتسبة إلى الابستمولوجيا. بل يمكن أن نقول إنه ينتسب إلى مفهوم الفكر العربي الإسلامي الشامل بفروعه الثلاثة المعهودة ( الكلام والتصوف والفلسفة ). ولا ندري الوجه المبحوث فيه من هذه الفروع: هل هو الخصائص التركيبية المنطقية ( بينة علاقات الأقوال الفلسفية بعضها بالبعض ) أو الخصائص الدلالية المعرفية ( صلة تلك البنية بموضوعاتها أو بالمراجع ) أو الخصائص البراجماتية التواصلية ( صلة تلك البنية بالمتخاطبين ) أم هو علاقة تلك الأقوال بأبعادها الثلاثة مجتمعة بغيرها من الممارسات القولية وغير القولية في المجتمع الإسلامي ( علم اجتماع المعرفة الفلسفية ) من حيث تقويمها بحسب إيديولوجية علم أجناس القول بحسب أنواع القضايا التي كانت سائدة في الفكر التقليدي ( الظني واليقيني والمغالطي ) أم هو شيء آخر لم يعرفه الكاتب في ثنايا أعماله ¿ وإذا قبلنا أن شكل المحاولة الجابرية ينتسب إلى مفهوم النقد الإبستمولوجي الذي يتردد ذكره بكثرة في أعماله فإنه ينبغي أن يكون فكرا منتسبا إلى البحث الفلسفي الذي يتخذ من الممارسة العلمية مادة له. فما هي العلوم التي يتعلق بها هذا البحث¿هو تحديد الإبستميات بالمعنى الذي يشبه ما يحاوله فوكو وليس نقدا أبستمولوجيا بالمعنى الذي يمارسه باشلار. عندئذ هل يمكن أن نعتبر الفرع المغربي من الفكر العربي الإسلامي منتسبا إلى ابتسمية مختلفة عن الإبتسمية التي ينتسب إليها الفرع المشرقي منه¿ 19) نص ابن خلدون حول الامامة: 20) أنظر في ذلك Richard Mulgan, Constitutions and Purpose of the State (III 6-9) in Klassiker Auslegen, Band23 Aristoteles, Politik, Herausgegeben von Otfried Hoeffe, Akademie Verlag Berlin 2001 ص. 93- 106 21) لذلك بينا أن الذات ليست بسيطة بل هي مؤلفة من خمس مقومات: الذات بما هي واحدة وتمر بالأحوال التي وصفنا أعني حال النفس الأمارة وحال النفس اللوامة وحال التحرر من الأمارة وحال التحرر من اللوامة للوصول إلى حال النفس المطمئنة التي تتحقق فيها الوحدة المسلمة بين أبعادها الأربعة أعني ذاتها وصورتها عن ذاتها وأثر الذات في الصورة واثر الصورة في الذات. 22) أسمي دورة جوهر الوجود الاجتماعي المتمثل في تحول الحياة والطبيعة والثقافة بعضها إلى البعض بتوسط المسؤسسات والرمز خاصة. وقد شرحنا ذلك في كتاب الاجتماع النظري الخلدوني. ويكفي أن نضرب مثالا واحدا: فالعمل يعني أن الطاقة الحيوية عند الشخص تتحول إلى منتجات يستهلكها غيره فتصبح جزءا من كيانه العضوي. لكن ذلك ممتنع من دون توسط المؤسسات الإنتاجية التبادلية وكلاهما مستحيل الوجود من دون أداة رمزية للتبادل هي العملة أيا كان تعينها في المعادن أو في الورق أو حتى في النسب بين البضائع في مراحل التبادل البدائية أو المقايضة العينية من دون الوسيط النقدي. الدورة إذن تعني أن الطبيعة ( مافيها من مقيمات لأود الإنسان ) والحياة ( طاقة الإنسان ) والثقافة ( المؤسسات والرموز ) تدخل في دورة تحولها بعضها إلى بعضها إما ماديا أو رمزيا فيكون العمران جهاز تحويل وتبادل طاقيين بشرط التوسط الرمزي. 23) ما قلناه عن الدورة الخاصة يصح على الدورة العامة إلا أنها أوسع وتشمل كل الطبيعة لا الحيز الجغرافي لأمة بعينها وكل الحياة لأ قوم بعينهم وكل الثقافة الإنسانية لا ثقافة أمة بعينها وكل العمران البشري لا مجتمع بعينه: فتحصل الدورة الكونية التي كانت حاصلة بالقوة في مراحل العمران الإنساني السابقة وصارت حاصلة بالفعل في مرحلة العولمة. وما كان يحصل من صلات بتوسط العناصر الطبيعية كالريح والمصر والشمس وانقال المواد بحسب تدخل تلك العناصر بات الآن يحصل بفعل التدخل الإنساني فازدادت سرعة التواصل وبتنا نراه رؤية العين: ولعل أفضل الأمثلة هو انتقال الأمراض المعدية. كانت قليلة الانتقال السريع لعدم وجود صلات كبيرة بين أصقاع العالم ثم صارت بسرعة الاتصال. بحيث إن العالم بات محتاجا لحكم شامل يعالج هذه القضايا العالمية بالطبع: مسائل البيئة والأمراض ومصادر الحياة البشرية. 24) لذلك فالمستوى العميق الأول من الحرب النفسية غير المقصورة على ما يصاحب أحداث الحرب الحامية تستند في غايتاتها القصوى إلى التلاعب بالتاريخ من خلال تشكيك الأمة المستهدفة في جدارتها الوجودية فضلا عن البحث فيه عن الجروح الماضية لاحيائها حتى لا تندمل فلا تحصل الوحدة الحيوية للامة التي تمثل صلة الرحم الرمزية ذات الأصل في صلة الرحم الحقيقية فعلية كانت أو عقدية. 25) لذلك فالحرب العسكرية تستند في غاياتها القصوى إلى التلاعب بالجغرافيا من خلال تفكيك أوصال الوحدة الترابية للأمة المستهدفة فضلا عن البحث فيها عن كل مقومات الفصل والتفتيت حتى لا يحصل التواصل بين شعوب الأمة وأقطارها. 26) لذلك فالمستوى العميق الثاني من الحرب النفسية غير المقصورة على ما يصاحب أحداث الحرب الحامية تستند في غاياتها القصوى إلى التلاعب بالسلّم الرتبي من خلال بث الفتن والتنافس بين الفئات المتراتبة ( وهي بدورها بحسب أصناف القيم: فئات اثنية أو اقتصادية أو معرفية أو سياسية أو مذهبية دينية أو فلسفية ) فضلا عن البحث فيه عن كل مقومات الحرب الأهلية والفرقة بينها للحيلولة دون السلم المدنية التي تعتبر شرط النمو والتطور والضامن الوحيد للقوة عند حصول الصدام. وكلا مستويي الحرب النفسيه هذين يستهدفان الامة في زمن السلم استعدادا لزمن الحرب أو هما الحرب الدائمة التي تحقق الهزيمة أما الحرب النفسية التي تستهدف الجيوش خلال الصدام فأثرها متناسب مع هذه الحرب العميقة: من دونها لا يكون للحرب النفسية المباشرة أدنى تأثير. 27) وهنا تجتمع كل الاستراتيجيات السابقة مستهدفة حصانة الأمة الروحية والعروة الاجتماعية في أبعادها المناسبة للاحياز السابقة أعني القيم الرمزية بالنسبة إلى البعدين الأول والثالث والقيم المادية بالنسبة إلى البعدين الثاني والرابع. فيصبح المجتمع مفكك الأوصال في مستوى قيمه الرمزية المستندة إلى صلة الرحم الحقيقي وصلة الرحم الرمزي وفي مستوى قيمه المادية المستندة إلى صلة المصلحة الحقيقية وصلة المصلحة الرمزية. وطبعا فهدف الاستراتيجية التناكرية هو سلب الجهد الإيجابي لتحقيق تلك الأوصال, أعني جوهر الاستراتيجية التعارفية. 28) عرفنا هذه الأشكال من النظرات الوجودية في حوارنا مع الاستاذ طيب تيزيني بعنوان نحو مستقبل فلسفة عربية دار الفكر دمشق بيروت 2002. وتستعمل هذه النظرات استراتيجيا بصورة أيجابية كما هو الشأن بالنسبة إلى الدورة الخاصة. لكنها لا تقتصر على الزمان والمكان والسلم والدورة الخاصة بأمة بعينها بل تمتد لتشمل التاريخ الإنساني والجغرافية الأنسانية والسلم الانساني والدورة الإنسانية فتكون بذلك خطابا موجها إلى الناس جميعا بمستويات الخطاب الخمس التي وصفنا: أعني الاسطوري والشعري والديني والفلسفي والإسلامي. وهذا البعد الجامع هو الذي يبين أن الإسلام ليس دينا ككل الأديان بل هو جوهر الديني عامة إذ هو الدين البداية والدين الغاية: فهو البداية النقية من الأصل وهو الغاية التي تنقي نفسها بالعودة إلى الأصل حفاظا على ما تحقق منه وإصلاحا لما أفسد منه: وذلك هو معنى التصديق والهيمنة. وقد شرحنا كل ذلك في كتابنا شروط نهضة العرب والمسلمين خلال الحديث عن أديان أولي العزم من الرسل في علاقتها بمؤسسات العمران الإنساني الخمسة: المؤسسة الأسرية (آدم ) والمؤسسة الاقتصادية ( نوح ) والمؤسسة التعليمية ( إبراهيم ) والمؤسسة القانونية أو الدولة ( موسى ) والمؤسسة الدينية أو المعبد ( عيسى ). أما الرسول الخاتم فهو الموحد بين هذه المؤسسات من خلال وضع مفهوم الأخوة البشرية والخلاقة الكونية للا نسان من حيث هو إنسان متخلصا من الخطيئة ومتحررا من السلط الروحية الوسيطة التي عوضتها سلطة الاجتهاد فرض عين بمقتضى التواصي بالحق للعلم به وسلطة الجهاد فرض عين بمقتضى التواصي بالصبر للعمل بالحق : العالم كله صار هذه المؤسسات وتلك هي الكونية الاسلامية والهيمنة التعارفية التي تحاربها الآن الهيمنة التناكرية ممثلة بالسلطان الروحي المحرف (إسرائيل ) والسلطان المادي المنحرف ( أمريكا ). 29) هذا هو المبدأ الوحيد الذي تجمع عليه فنون الفكر الوجودي الإسلامية الخمسة: الكلام والفلسفة والفقه والتصوف وما يوحد بينها أعني تفسير القرآن الكريم في أبعاده الطبيعية المضاعفة ( العالم وعلمه ) والشريعية المضاعفة ( التاريخ وعلمه ) وذاته. 30) ومعنى ذلك التأثير يجري في المدد الطويلة وبصورة لا تكاد تكون محسوسة إلى أن يحصل تراكام كمي معين فيحدث ما يشبه القفزة النوعية التي هي مختلفة بحسب أنواع القيم والأحياز: ويعني ذلك أن نسق السيرورة الزمانية ليس واحدا في العمران البشري بل كل نوع من القيم ومن الأحياز له نسقه الخاص. وبفضل معرفة هذا النسق يمكن التحكم في الفعل. 31) ومعنى ذلك أن الفاعل وراد الفعل لا يمكن أن يبدأ بالاتفاق بل عليه أن يبدأ التأثير بحسب ترتيب تفاعل القيم والأحياز: فيمكن مثلا أن نقول إنه في المجتمعات الديموقراطية ( ونحن نعتبرها جميعا أليغارشية ) يكون التحكم في الوصول للحكم والبقاء فيه المحرك المباشر والتحكم في أدوات هذا الوصول اللامباشرة ( كالتمويل والإعلام ). لكننا سنبين القانون العلمي لهذه العلاقة ولا نكتفي بالمظاهر التي قد تستمد من مثل هذه الأمثلة: وذلك ببيان الترتيب بين القيم والأحياز وكيفية العمل على نسقية زمان تأثيرها وتأثرها تسريعا وإبطاء وذلك بواسطة العلاقة بين القوتين الأساسيتين في الحياة البشرية: القوة الروحية والقوة المادية. 32) وهذا التراتب نوعان كلاهما يتضاعف بحسب مجراه العادي وبحسب مجراه في الظروف الحرجة: من ألادنى إلى الأعلى هو ترتيب التأثير الطبيعي ( من قيم الحياة إلى قيم الإرادة ) ومن الأعلى إلى الأدنى ( من قيم الإرادة إلى قيم الحياة ) هو ترتيب التأثير الخلقي أو الحضاري. أما قيمة الوجود فهي حاضرة جحوديا في الحالتين إذ تنفصلان وشهودية في الحالتين مجتمعتين عند التمام أو عند التحقيق تخليصا من الحالة الأولى أو من الحالة الثانية ( بحسب ما رأينا بخصوص الأحوال التي تمر بها النفس ). ويكون الترتيبان في المجرى العادي بحسب الترتيب الذي سندرسه لاحقا. أما في الترتيب الناتج عن الظروف الحرجة فقد ينقلب الترتيب بحسب بؤرة الحرج, فيصبح ما كان يعد ثانويا أوليا. والقاعدة الأساسية لتحديد الترتيب العادي الذي بالقياس اليه يكون الترتيب الخارق هي: كلما كان العمران أقرب إلى المستوى الذي يغلب فيه الثقافي على الطبيعي كان نوع التأثير الثاني هو السبيل والعكس بالنسبة إلى العمران الذي يغلب فيه الطبيعي على الثقافي. فالعمران القريب من البداوة يغلب عليه التأثر والتأثير بالأشكال الدنيا وبالرموز الأقرب إلى اللاوعي ( الأسطورة المتعلقة بالماضي و التأثير الوهمي أو السحر وتطبيقاته ). والعمران القريب من الحضارة يغلب عليه التأثر والتأثير بالأشكال العليا وبالرموز الأقرب إلى الوعي (الأسطورة المتعلقة بالمستقبل أو اليتوبيا والتأثير الفعلي أو العلم وتطبيقاته ). 33) البناء والتهديم كلاهما لا يكون من دون العلم: لذلك فالاستراتيجية إيجابية كانت أو سلبية هي جوهر العلم بل كل علم استراتيجدية سواء كانت حينية أو جميعا للسيناريهات العمل الممكن. ولأن المسلمين لم يفهموا هذه الحقيقة تخلفوا وهزموا ولولا قوة القيم الرمزية وجمع القرآن الكريم لأصناف التعبير الخمسة عن القيم الوجودية لانتهى الأمر بنا إلى الهزيمة الروحية: لان دوام الهزيمة المادية ينتهي في الغاية إلى الهزيمة الروحية. وقد أشرنا إلى هذا القانون عندما درسنا العلاقة بين علامة الايمان القرآنية ( إرث الأرض أو الاستخلاف فيها ) والإيمان. 34) وفي هذه الوحدات الدنيا هي التي تعتبرها استراتيجيات التناكر الهدف الأول في حربها على استراتيجية التعارف. والمشكل الذي تعالجه الاستراتيجية هو: كيف يمكن تهديم الروابط في مستوى هذه الأبعاد بالقيم نفسها من حيث هي أداة فعل¿ تهديم الفن بالفن المضاد والمال بالمال المضاد والعلم بالعلم المضاد والعمل بالعمل المضاد والوجود بالوجود المضاد. ولعل كل ما ينسب لليهود من نجاح هو عدم فهم هذه الخطط: فكل شيء عندهم سلبي هو فن مضاد ومال مضاد وعلم مضاد وعمل مضاد ووجود مضاد. ولست ممن يتصور أن لليهود نجاحا يذكر إذا قيس النجاح بالعلاقة بين الحصيلة والكلفة: فكل تاريخهم نكبات والنهاية أنهم اليوم دليل مطلق على الفشل الحضاري والعضوي. حضاريا وعضويا هم لا يفعلون إلا بالتطفل على أقوياء العصر: ثم ينبته المتطفل عليهم فينكبهم. وما أحوجهم لذلك هو الطابع السلبي لكل قيمهم: فلو لم يكونوا فاشلين لكان وجودهم المادي العضوي مغنيا عن العظمة بالوكالة. يكفي أن نبني الاستراتيجية التعارفية بالشكل الذي سنصفه حتى يصبحوا كما كانوا أذل الأقوام فيرتدوا لشتاتهم المطلق والنهائي. وذلك ما سيحصل بإذن الله ومشيئته. 35) الوحدة الدنيا الحقيقية هي الشخص الإنساني العين. فهو مؤلف من خمسة أبعاد بحسب صفات الذات المطلقة الخمس: إنيته العينية ( وهي تبدو منبع الطاقة الحيوية ذات القانون الطبيعي الذي لا سلطان للمرء عليه ويمثله النوع الأول من القيم أو قيم الذوق والحياة ) ووعيه بها ( وهو يبدو منبع الطاقة العقلية ذات القانون الخلقي الذي لا سلطان للمرء عليه ويمثله النوع الأخير من القيم أو قيم السمع والوجود ) وأثر ذاته في وعيه بذاته أو أثر المنبع الأول في المنبع الثاني ( التطبع الجاذبية الطبيعية التي تغلب الكلية الطبيعية: ويمثله النوع الثاني من القيم او قيم اللمس والقدرة ) واثر وعيه بذاته في ذاته أو أثر المنبع الثاني في المنبع الأول ( التخلق الجاذبية الخلقية التي تغلب الكلية التاريخية: ويمثله النوع الرابع من القيم أو قيم الشم والإرادة ) ثم نسق الكل ( نسق القوانين والقيم ويمثله النوع الأوسط من القيم او قيم البصر والعلم ). وبهذا الفهم لمقومات الذات الإنسانية نتحرر من قراءة علم النفس القرآني قراءة تستند إلى التوازي السطحي الذي يجد أصحابه في نظرية النفس القرآنية مثيلا للنظرية الفرويدية: فصارت النفس عندهم مثلثة الأبعاد- الأمارة واللوامة والمطمئنة- موازاة للتثليث الفرويدي ظنا منهم أن هذه الصفات تخصص مقومات وليست للنفس بكاملها. وهذا طبعا من سخف الذين يستمدون قيمة الحضارة الإسلامية مما يزعمونه لها سبقا لما اكتشفته الحضارة الغربية بعدها. لكن حديث القرآن على النفوس الثلاث ليس حديثا عن قوى ثلاث وإلا لما وصفت كل واحدة منها بكونها نفسا. أبعاد النفس ليست نفوسا بل أبعاض نفس. إنما الأمر يتعلق بثلاثة أحوال تمر بها النفس الواحدة مهما تعددت أبعادها في سعيها إلى كمالها. أما ابعاد النفس في التصور القرآني فهي خمسة كما بينا وليست ثلاثة: لأن أدنى تعدد بعد الواحد يمكن أن يتوقف عنده الحسبان بعلة مقبولة هو الخمسة ( كما أثبتنا في شروط نهضة العرب والمسلمين). وتظهر الأبعاد كلها في الأحوال الثلاثة الواردة نصا في القرآن مع حالين اوسطين لم يذكرهما القرآن الا بصورة غير مباشرة عند حديثه عن الخسر ( حال الأمارة وحال اللوامة ) والاستثناء منه ( التحرر من الأمارة والتحرر من اللوامة). فالنفس تمر بحال النفس الأمارة بكل أبعادها مرورا يصبح مرضيا إذا صار حالا نهائية: وهو ما ينتج الفوضي النفسية بين الأبعاض غير المتناسقة: وهذه الابعاد هي البعد الآمر والبعد المأمور وخاصية الآمرية وخاصية المأمورية. ثم تمر بحال النفس اللوامة بكل أبعادها مرورا يصبح مرضيا إذا صار حالا نهائية. وتنتج هذه الحال عن سلب الحال السابقة بفوضى أدهي منها بين أبعاضها غير المتناسقة: البعد اللائم والبعد الملوم وخاصية اللائمية وخاصية الملومية. ولا تصل النفس إلى حال الاطمئنان إلا بفضل حالين يخلصانها من الحالين المرضيين: تجربة التحرر من الفوضى الأولى الناتجة عن صراع الابعاض في مستوى القانون الطبيعي الذي يصبح بثباته نفيا للقانون الخلقي بدلا من أن يكون مرحلة معدة إليه ( تجربة التواصي بالصبر والعمل الصالح ) وتجربة التحرر من الفوضى الثانية الناتجة عن صراع الأبعاض في مستوى القانون الخلقي الذي يصبح بثباته نفيا للقانون الطبيعي بدلا من أن يكون استكمالا له ( تجربة التواصي بالحق والأيمان الصادق). فإذا تمكنت من التجربتين أصبحت نفسا مطمئنة فتتخلص من تعدد الأبعاد والفوضى. فالنفس المطمئنة ليست حلا جدليا بين الحالتين السابقتين, لأن الاطمئنان ليس حلا وسطا بين الأمر واللوم. والتجربتان المخلصتان هما شرط الاستثناء من الخسر. أما ثبات الأمارة واللوامة فهو الخسر. وإذن فالأحوال الخمسة هي: 1- حال الأمارة, 2- وحال تجربة التربية السياسية, 3- واللوامة, 4- وحال تجربة التربية الصوفية, 5- وحال المطمئة أو الإسلام الذي يتطابق فيه الفرقان الفلسفي ( التواصي بالحق: الاجتهاد الاجماعي المتحرر من التأثيم ) والوجدان الديني ( التواصي بالصبر: الجهاد الإجماعي المتحرر من التأثيم ) : وتلك هي شخصية الإنسان السوية بحق التي فقدها المسلمون تصورا وإنجازا. 36) لكننا سنتعامل مع الأنواع كجملة دنيا دون تقسيم حتى نتجنب التعقيد الذي قد يعسر الفهم بما يقتضيه من ضروة تحليل هذه الوحدات إلى ما دونها فنصل إلى عدد من المقومات يصعب حصره. فهي الآن قبل تجاوز الأنواع: أسرتان في جنسين في نوعين في أربعة أضرب = 16 عنصرا. أما إذا تجاوزنا ذلك إلى ما دون النوع فسيصبح عدد العناصر حاصل ضرب هذا العدد على الأقل بضعف مربع عدد القيم التي هي خمسة أنواع كل منها له حدان أقصيان يقبل خمسة أحكام مناظرة لأحكام الفعل الفقهية ( 2x5x5) دون اعتبار الوسائط بين الحدين الأقصين من كل نوع من القيم. فمثلا قيمة الجمال لها حدان أقصيان على الأقل هما الجمال والقبح المطلقان دون اعتبار الوسائط أو المركبات منها. فالمرء يمكنه أن يقف من الحدين الأقصيين كليهما خمسة مواقف مختلفة بحسب أحكام الفعل الفقهية أو حتى الوجودية: إثبات الجمال بإطلاق أو القبح بإطلاق وهو ما يناظر الواجب وجوديا والفرض فقهيا والممتنع أو نفيهما بإطلاق وهو ما يناظر الممتنع وجوديا والحرام فقهيا والموقف المحايد ويناظر الممكن وجوديا والمباح فقهيا ثم ما بينه وبين الموقف الأول وهو ما يناظر الوجود المرسل وجوديا والمندوب فقهيا وما بينه وبين الموقف الثاني وهو ما يناظر العدم المرسل وجوديا والمكروه فقهيا. ونفس الأمر يقال عن القبح لأن القبح ليس عدم الجمال بل هو حقيقة موجبة مثل الشر ضديد الخير والباطل ضديد الحق. فتصبح العناصر عندئذ: 16 التي توقفنا عندها مضروب في عدد الحالات التي تنتج عن هذا التجاوز أي: 16x50= 800 عنصرا, وهو عدد كبير جدا يصعب أن نضبط تواليفه بمنطق قانوني الجذب والدفع ( في 2) مضروب في قانون التقابل بين الفعل والقوة ( في 2) مضروب في قانون التقابل بين الصفين ( في 2) من كل حالة: 800 في 8= 6400عنصرا. 37) لا بد من توضيح هذه النقطة التي من دونها لا يمكن للمرء أن يفهم مدلول التطابق بين العقل الفلسفي والوجدان الديني التطابق الشارط لختم الوحي في القرآن الكريم. فالذوق يمثل الاجتماع الطبيعي بين الحواس في حاسة مركزية ببعديها الحسي والحدسي. والذوق هو الحس الوحيد الجامع بين خصائص الحس الأعم ( اللمس) من حيث ضرورة المباشرة بخلاف الحواس الثلاث الأخرى ( لا يقع عن بعد أبدا ) والحس الأخص من حيث ضرورة استيعاب المحسوس في الذات ( لا بد من تحويل المذوق إلى الذائق ). فاللمس مشروط في كل الحواس. وبهذه الصفة يكون الذوق أخص الحواس الأقرب إلى أعمها ومن ثم فهو المميز الحقيقي للحياة. لكن ارتباطه باللسان يجعله المميز للحياة البشرية بمقتضى دور اللسان في خاصية الإنسان الجوهرية: إذ يجتمع فيه اللمس والنطق اجتماع الاعجازيين في الثورة الإسلامية: الحب والكلام. ولهاتين العلتين جعلنا القيم المنتسبة إلى الذوق متقدمة على القيم الأخرى: فهي أقرب القيم إلى الحياة (صفات الله الخمس المطابقة لذاته: الإنية العينية والحياة والقدرة والعلم والإرادة ) وأسمى تحقق قيم الحياة كما أثبتنا في كتاب الشعر المطلق هي الحب لكونه جامعا للحواس الخمسة: فغايته اللمس الجامع أو الجماع أو التلامس الوصلي بإطلاق إلى حد زوال الفصل بين المتلامسين وأداتاه المباشرتان الذوق والشم وأداتاه غير المباشرتين السمع والبصر. ثم تتوالى القيم بحسب درجة ابتعادها عن مقومات الذوق. فأدناها إليه صدورا عنه قيم القدرة في شكلها المادي الخالص أو في شكلها الرمزي ( سلطان اليد ) وقيم العلم في شكلها المادي أو في شكلها الرمزي ( سلطان العقل ) وقيم الارادة في الشكلين ( سلطان الوجدان ) وقيم القيم أو قيم الحياة الإنسانية ( سلطان الروح الجامعة بين كل القيم السابقة بمستوييها المادي والرمزي: قيم الذوق أو القيم الجمالية وقيم اللمس أو القيم الخلقية وقيم البصر أو القيم المعرفية – التي هي الوسط بين النوعين المتقدمين عليها والنوعين المتأخرين ومن ثم فهي أكثر القيم تجريدا لحاجتها للوصل بين المتقدمين والمتأخرين بل إن المتأخرين يعودان على المتقدمين بفضلها فتصبح الذوقية سمعية وجودية وتصبح اللمسية شمية عملية - وقيم الشم أو القيم العملية وقيم السمع أو القيم الوجودية ). لذلك فللدنو والبعد مقياس ثان بمقتضى الورود إلى الذوق. فيكون الترتيب عينه ولكن في الاتجاه المقابل: الأدنى فالأدني من القيم الوجودية إلى القيم المادية. وإذا لم يتطابق الترتيبان خرج المرء عن الإسلام: فالترتيب الأول من دون الثاني "طبعانية" خالصة والترتيب الثاني من دون الأول "لاطبعانية" خالصة والتطابق بينهما هو مفهوم الفطرة كما بينا في كتاب وحدة الفكرين. وذلك هو التطابق غير القابل للفصل إلا مرضيا بين البعدين الدنيوي والأخروي من حياة الإنسان السوي. وادراك هذا يغني عن كل وحي بعد الإسلام لذلك فهو الوحي الخاتم. وبمعنى آخر فالإنسان مسلم مهما فعل: لا يمكن أن تكون حياته بالترتيبين إذ يطلقان. فالترتيب الأول وحده يعني خضوعه للسكر المادي الدائم. والترتيب الثاني وحده يعني خضوعه للسكر الرمزي الدائم. حياة الإنسان قبل اطمئنان الإسلام متناوبة بينهما إلى إن يحصل ما أطلق عليه القرآن اسم النفس المطمئنة ( السيرة المحمدية ): الأولى هي حال النفس الأمارة ( الحياة الطبيعية ) والثانية هي حال النفس اللوامة (الحياة الصوفية ) وكلتاهما حال مرضية. ومن ثم فليست أحوال النفس هذه أجزاء من النفس البشرية بل هي أحوال تمر بها النفس التي هي واحدة رغم تعدد احوالها: الحال الطبيعية الغفل والحال الصوفية الغفل وحال الاطمئنان. ويعني ذلك أن النفس ينبغي أن تمر بحالين اخريين بين الأولى والثانية وبين الثانية الثالثة: حال تجاوز بها الغفلة الطبيعية إلى حد تحريفها لندرك حقيقتها السوية في الوحي الخاتم الذي يصلح التحريف التوراتي وحالة تجاوز الغفلة الصوفية إلى حد تحريفها لندرك حقيقتها السوية في الوحي الخاتم الذي يصبح التحريف الانجيلي. ونفس هذه الأحوال تقال عن الرسالات الخمس الرئيسية: فرسالة آدم للذوق والنفس الأمارة ورسالة نوح للمس والنفس اللوامة ورسالة ابراهيم للبصر والنفس المطمئنة ورسالة موسى للشم وتجاوز حال النفس الامارة إلى حد تحريفها ورسالة عيسى للسمع وتجاوز النفس اللوامة إلى حد تحريفها ورسالة محمد للحس المشترك الذي يصلح التحريفين لأنه شرط كل حس ومبدأ التوحيد بين الحواس والتمييز بينها. لذلك فالنفس المطمئنة الابراهيمية تكتمل فيه وذلك هو معنى الحصر: إنما أتيت لاتمم مكارم الاخلاق. لذلك فرسالته ليست رسالة سادسة بل هي ما به تكون الرسالات رسالات وتلك هي علة كون نسبته إلى الرسل هي عين نسبة أمته إلى الامم: الشاهد عليهم. البروفيسور أبو يعرب المرزوقي الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا
|